المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسطورة الوادي الناعس


الساحرالحزين
29-01-2008, 06:18 PM
وجدت ضمن أوراق مهاجر هولندي من المهاجرين الأوائل إلى نيويورك .
كانت أرض مترعة بالرؤوس الناعسة في الأحلام التي تتماوج قبل أن تغمض العيون ،و في القلعة الرائعة التي تشق السحاب البازغة إلى الأبد في سماء الصيف.
قلعة الكسل .
في صدر أحد الخلجان الرحبة التي تنتشر على امتداد الضفة الشرقية لهدسون ،حيث تتسع ضفة النهر خالقة مساحة متسعة أطلق عليها البحارة الهولنديين القدماء (تابان زي ) والذين كانوا دوماً يقللوا من سرعة قواربهم الشراعية عندها ملتمسين حماية (القديس نيكولاس) ، وجدت مدينة تجارية صغيرة أو ميناء ريفي صغير يدعى (جرينسبيرج) تعارف على تسميته (تاري تاون) أو مدينة التلكؤ كما أطلقت عليه ربات البيوت في المدن المجاورة حيث اعتاد أزواجهن التلكؤ فيها لبعض الوقت و العروج إلى الحانة في أيام المتاجرة ، على بعد ميلين من تلك المدينة يوجد جوف صغير بين التلال المرتفعة يمكن اعتباره من أكثر الأماكن هدوءا ً في العالم ، يمخر عبره جدول صغير ، يقطع هذا الهدوء المزمن أحيانا صفير طائر السلوى أو نقيق نقار الخشب .
عرف هذا الوادي الصغير باسم (الوادي الناعس) حيث يقول البعض أن هذا المكان قد سُحِّر خلال الأيام الأولى لاستيطان النمساويين فيه و البعض الآخر يرجح أن ساحر هندي عتيد كان يتسيد عشيرته حمل كهنته إلى هناك قبل اكتشاف البلدة على يد (هنريك هدسون )، نتيجة لذلك ظل المكان واقعا ًتحت تأثير بعض القوى السحرية التي تسيطر على إدراك ووعي الأصحاء من سكان البلدة ، تجعلهم يعيشوا في أحلام يقظة مزمنة ، و اعتقادات غريبة و رؤى متعددة لمشاهد عجيبة ، مع سماع موسيقى و أصوات تتردد في الهواء، قص كل من في المدن المجاورة عنهم العديد من القصص و الحكايات المحلية التي تتحدث عن البقاع المسكونة بالأرواح و خزعبلات الغسق .
و لعل أشهر تلك الحكايات التي ترددت هي قصة شبح لفارس بلا رأس يمتطي صهوة جواد قيل أنه شبح لمرتزقة ألماني طارت رأسه بفعل قذيفة مدفع في إحدى المعارك المنسية خلال حرب الثوار ، اعتاد أهل البلدة رؤيته يجري في كآبة هذا الليل بسرعة فائقة و كأنما أسلم جناحيه للريح ، و يعزى المؤرخون ذلك إلى أن جثة هذا الفارس قد تم حرقها في فناء الكنيسة الذي يغادره كل ليلة بحثا ً عن رأسه المفقود في مكان وقوع الحادث ، و يعدو سريعا ً ليعود إلى فناء الكنيسة قبل بزوغ الفجر ، أطلق عليه سكان المنطقة (فارس الوادي الناعس الفاقد الرأس ) .
و اللافت للنظر أن تلك النزعة التنبئية و الأوهام لا تصيب فقط أبناء البلدة الأصليين و لكنها تلحق بكل من يستقر هناك لبعض الوقت ،و الذين يؤكدوا أنهم يقعوا تحت تأثير تلك القوى السحرية بمجرد دخولهم إلى تلك المنطقة و استنشاقهم الهواء المسحور تبدأ مخيلتهم في النمو و يغرقوا في أحلام اليقظة .
بين أحضان تلك الطبيعة الرحبة ، منذ نحو الثلاثين عاما ً اشتهر بيت (إيتشابود كرين)القادم من ولاية (كونكتيكت) التي كانت تحرص على إمداد الاتحاد بمديري المدارس لتعليم الأبناء و الحطابين الجيدين لأعمال الغابة ، قدم(إيتشابود) إلى (الوادي الناعس) لتعليم الأبناء ، كان (إيتشابود) ذو هيئه تشبه الديك المعدني القابع فوق رقبة مغزلية تدل على اتجاه الريح في الحقول حيث كان طويل القامة نحيف جدا ً بأكتاف ضيقة و أذرعه تمتد إلى خارج أكمامه و أقدامه الطويلة التي تشبه المجارف و رأسه الصغير المنبسط من أعلى و آذنيه الطويلتين و عيونه الزجاجية الخضراء و أنفه الطويل ، تراه يمشي في يوم عاصف بملابسه المتسعة التي يعوم جسده بداخلها تحسبه فزاعة هاربة من حقل ذرة .
كان مبني المدرسة مكون من غرفة كبيرة ، مبني بإهمال و نوافذه غير مكتملة الزجاج ،مرقع ببقايا الدفاتر القديمة ، كان المكان سهلا ً جدا ً لأي لص قد يفكر في سرقته عند دخلوه بينما قد تعترضه بعض العراقيل عند الخروج ، كان مبنى المدرسة يقف وحيدا ً أسفل تل من الأشجار تؤنسه ساقية تركض قريبة منه تنمو على إحدى جوانبها شجرة بتولا هائلة ، يهدر صوت التلاميذ في ترداد دروسهم كصوت صادر عن خلية نحل في يوم صيفي خامل، يقطعه أحيانا ً صوت المعلم منبها ً أو موجها ًو كأنما يقود بعض من قنافذ البحر الهولندية العنيدة لطريق معروف ، أو الصوت المزعج لشجرة البتولا، كان (إيتشابود) رجلا ًواعياً يرى في تعليمه للأبناء الوادي الناعس قيام بالواجب ، يمارس دوره بمنتهى الحكمة فكان يساعد الضعفاء منهم و يزيل عن كاهلهم الأعباء الثقيلة التي يسندها للأقوياء من بينهم ،كان دوما ً يجنب الصبية الخوف من العصا ،فهو يؤمن بالمثل القائل (تبقى العصا و يفسد الطفل) و يسعى لتحقيق الثواب و العقاب بإفراط العقاب على التلميذ العنيد ،الذي يثير غيظه و يجعله كقنفذ البحر الهولندي الذي ينتفخ و ينمو تحت شجرة البتولا ، و لا يعاقب طالب إلا بعد إيعاز من أهله ، و يعزي ما قد يلحق بهم من ألم إلى أنهم سوف يشكرونه في يوم من الأيام على الفرصة التي أتاحها لهم للحياة بشكل أفضل و لو ليوم واحد .
حين تنتهي ساعات الدراسة ، يشارك ( إيتشابود ) الصبية الكبار في لهوهم و في عصر يوم العطلة يرافق الصغار منهم إلى بيوتهم بحجة إيصالهم ،بينما يهدف بذلك إلى الإبقاء على علاقات جيدة مع أولياء الأمور و خصوصا من لهم أخوات جميلات و أمهات رائعات في الأعمال المنزلية لإشباع شهيته النهمة للطعام ، حيث أن ما يحصل عليه من أجر في المدرسة ضئيل للغاية يكفيه بالكاد لشراء الخبز اليومي ،فعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه كان يتمتع بشهية مفتوحة للطعام كشهية أفعى الأناكوندا ، كان يعيش على التنقل بين بيوت تلاميذه يمكث في كل منها لبعض الوقت حاملا ً معه منديل قطني كون صرة تضم كل ممتلكاته في تلك الحياة .
بعيدا ً عن الوقار المفرط الذي كان يبدو به في المدرسة ، كان ( إيتشابود) يتعاون مع الفلاحين في إعداد العلف و إصلاح الزرائب و رعي البقر إلى المرعي ،مما جعله يلمس الرضا في عيون الجميع و خصوصا الأمهات لمساعدته لأطفالهن ، فكان يجلس مع الأطفال و يداعبهم و يهز مهد الرضع منهم بقدمه في سعادة لساعات .
بالإضافة إلى ذلك كان ( إيتشابود) المطرب المفضل لأهل البلدة ، يجني بعض العملات المعدنية اللامعة حين يقود كورال الصغار في القداس ،كان (إيتشابود) يزاول كل تلك المهن دون التفكير في عمل واحد مرهق يكفل له حياة سهلة و أكثر راحة .
كان ( إيتشابود) يحظى ببعض الأهمية في دائرة نساء البلدة ، بشخصيته المحترمة الأنيقة و ما يمتلكه من عظمة و كبرياء الأغنياء ، كان في أيام الآحاد يجمع العنب لفتيات البلدة من العروش الموحشة الملتفة حول الأشجار في ساحة الكنيسة ، و كان يقصص عليهم ما تحويه المرثيات المكتوبة على شواهد القبور ،و يتجول مع مجموعة منهن على ضفاف بركة الساقية المجاورة للكنيسة، بينما تدبر عنه الخجولات منهن بسذاجتهن الريفية،يحسده الجميع على أناقته و شهرته ،كان بمثابة جريدة يومية متنقلة تنقل الأخبار من بيت إلى بيت، كان محترما ً من قبل الرجال و النساء لسعة معرفته و قراءاته المتنوعة ،كان خليطا ً فريدا ً من الدهاء و السذاجة، فكان ملما ً بتاريخ ساحرات نيو إنجلد ،مغرما ً بالحكايات الغير اعتيادية ، فكانت قمة متعته حين ينتهي اليوم الدراسي يتمدد على الحشائش الخضراء المتاخمة للساقية ليقرأ في (تاريخ ساحرات نيو إنجلد) دون خوف أو ريبة حتى هبوط الغسق ،ليبدأ في رحلة عودته إلى بيته الريفي المربع البناء ، ترافقه أصوات الطبيعة و نقيق الضفادع تحت الشجرة ، و صياح البوم الكئيب ، الذي يرفرف فيهيج أخيلته، فلا يمتلك في هذا الجو الكئيب سوى ترنيم الإنجيل ،و أهالي الوادي الناعس الذين اعتادوا الجلوس أمام منازلهم في المساء ، يقطع صمتهم صفير ( إيتشابود) و هو يرتل المزامير على طول الطريق المظلم.
كان كذلك يؤنس وحشته في ليالي الشتاء الطويلة بالجلوس مع العجائز الهولنديات المؤتنسات بنار الموقد التي يحمصن فيها التفاح المشوي المرشوق في أسياخ،ليستمع لحكاياتهن العجيبة عن الأشباح و العفاريت ،و الجسور و المنازل المسكونة بها،و خصوصا ً قصة الفارس الذي فقد رأسه،بينما يمتعهن هو بحكاياته عن السحر و الطالع و المشاهد و الأصوات العجيبة التي تملأ الهواء و التي كان يسمعها في بلدته (كونيكتيكت)، و يرهبهن بتوقع النيازك و الشهب و المذنبات ، و مما يعرضهن للتوتر و القلق .
بينما كان يعتبر هذه متعة ، كان ينكمش على نفسه و الوهج المتورد القادم من المدفأة و طقطقة الخشب المحترق ينعكس فوق وجهه ، ثم يواصل المشي السريع في الطريق إلى بيته ، و الذي يخيم عليه الظلام و الظلال الخائفة ، وسط الوهج الضعيف لليل المثلج ، يرقب الوهج الضعيف القادم من النوافذ البعيدة ، خائفا ً حتى من النظر خلف أكتافه كي لا يباغته الفارس الفاقد الرأس ،و يتملكه أحيانا ً الخوف الرهيب حين يسمع صوت انفجار مفاجئ يصدح من بين الأشجار يرجح بأنه صوت عدو الفارس الفاقد الرأس.

كان كل ذلك مجرد خيالات تتراءى له في الظلام ،كرؤية شياطين تحيط به، ضوء الشمس كان كفيلاً بإنهائها جميعا ً،كانت حياته ستكون اكثر سهولة و متعة إن لم تتخللها تلك الحكايات و الأعمال الشيطانية ، و ما يعترض طريقة من مخاوف في عودته إلى بيته ، و ما أربك به حياته من تلك الشئون .

كانت (كاترينا فان تاسيل ) الابنة الوحيدة للمزارع الهولندي الثري ، من بين تابعيه الموسيقيين الذي يجمعهم في مساء ليلة من كل أسبوع ، فتاة يافعة في الثامنة عشرة من عمرها ممتلئة كطائر الحجل ، ناضجة ذات وجنات وردية كالخوخ الذي يزرعه والدها ، ذات شهرة واسعة ليس فقط بسبب جمالها و لكن أيضا ً لقدراتها على التنبؤ بشكل واسع ، مع قدر من الغنج يتضح من طريقتها في اختيار ملابسها ، فهي ترتدي ملابس تجمع ما بين التصميمات القديمة و الحديثة بحيث تبرز مفاتنها ، كما ترتدي حلى من الذهب الخالص ورثتها عن جدة جدتها لوالدها و الذي كانت قد حصلت عليه من (سد سار) ، ملابسها كانت تظهر بطنها بشكل مغرى كما في الزمن السابق ، تنورتها كذلك كانت قصيرة بشكل مثير ، تظهر قدمها و كاحلها الأجمل فى البلدة .

كان (إيتشابود) يتمتع بقلب حنون و أرعن تجاه الجنس الآخر ، كانت عيناه تفضحان شوقه و حبه في كل مرة يزور (كاترينا) في قلعة والدها الريفية الواقعة على ضفاف هدسون ،و التي تعتبر صورة للنهضة و التحرر من القالب الريفي المعتاد ،كان (فان تاسيل)قانعا ً بثروته لا ينظر إلى ما هو خارج حدود أملاكه الثرية و الغنية بالأناقة ، في إحدى مرابعها الخضراء توجد زوايا قصية تغطيها فروع شجرة دردار عملاقة يرعى فيها المزارعون الهولنديون الفراخ الصغيرة،و في نهايتها كان الماء يسعى رقراقاً،و مخازن الحبوب المحيطة بالقلعة تتفجر نوافذها و شقوقها بكنوز و خيرات الحقل،و الحمام يمرح بين الأبراج التي يداعبها شروق الشمس بأعلى القلعة،قطعان الخنازير بنعيقها ترقد بكسل في مضاجعها،مجاميع منظمة من الإوز الأبيض تلهو في البركة المحاذية تواكبها مجاميع من البط و تنظيمات من الديوك الرومية تصدح عبر ساحة الحقل .

THE PRINCE OF ALX
30-01-2008, 02:50 PM
شكرا ليك

الساحرالحزين
04-02-2008, 11:02 PM
فين الردود يا جماعه على فكره كده غلط