عندما كنت صغيراً ... كان يُقال لي " شششششششششش ! انتبه من هذه الجدران! فهي تسمع وترى بل وتتكلم ! " خفت من هذه الجدران، بل ولم أعد ألمس أياً منها ولا حتى بالنية ... كان كبار السن ينهروني دائماً عند الكلام بقولهم " الجدران لها آذان ! "
كنت أنظر إليها باحترام شديد وقلق وارد وأحياناً بحُب ... كما قال ذاك المجنون الفصيح :
أمر على الديارِ ديارُ ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار
كبرت على هذا الحال وأنا أُقدّس هذا وذاك الجدار ... وجائتني الشجاعة يوماً واقتربت منه شيئاً فشيئاً حتى عرفت أن الجدران ليس لها آذان .. ولا ألسن أيضا ً !
أذكر .... عندما كنت أُخبّص بالكلام وأذكر الحكومة أو أسماء بعض المسئولين الكبار .. يأتي أحد الكبار مدعياً الحكمة والمعرفة ومهاجماً " أنت مجنون .. سترى قريباً الشمس في وضح الليل" ...
كيف استطاعت أجهزة الأمن العربي أن تبني سجناً وتمزج فيه الليل بالنهار ؟ براءة اختراع بكل المقاييس ! أليس كذلك ؟
في الوقت الذي ما زالت فيه وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بلوغ كوكب المريخ ... يا شماتة أبلة تازة فيكِ يا ناسا !
يا جماعة ... المواطن العربي يخاف من رجل الأمن ... ورجل الأمن يشك من المواطن العربي
كل مواطن عربي هو مشروع مجرم ارهابي خطير، وخارج عن النظام، وضد الحكومة، ويستحق الضرب والتنكيل و..و .. إلى أن يثبت العكس ... وهذا بالطبع بنظر الأجهزة الأمنية !
اتسائل .... هل هو رجل " أمن " أو رجل " خوف " ؟
لكنني اكتشفت أخيراً أن الجدران ليس لها آذان ولا أرجل ولا أيدِ ! لا تُصدقوا الأولين والأخرين ولا حتى اللي بينهم !
وسأتكلم بأعلى صوتي حتى يٌقال لي يوماً ما " شششششششششششش ! سترى الشمس والقمر معاً يا باردي ! "