|
الحرب
الأهلية
اللبنانية
ظَلّ لبنان، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ولاية تابعة للدولة العثمانية، التى
قسمها العثمانيون جبل لبنان إلى قسمين. أحدهما مسيحي، في الشمال، والثاني درزي، في
الجنوب.
غير أنه وبسبب الصراع الدموي الذي شهده لبنان عام 1860، بين الموارنة
والدروز، و الذي تحول إلى مذابح رهيبة، حملت الدول الأوروبية على التدخل، لدى
الدولة العثمانية، لحماية المسيحيين، لتنتهي المسألة إلى وضع نظام جديد، وُقِّع عام
1861،
في
إستانبول. نال، بمقتضاه، جبل لبنان استقلالاً ذاتياً، تحت سيادة الدولة
العثمانية. وقد عدِّل هذا النظام، عام 1864، واستمر العمل به حتى دخول الدولة
العثمانية الحرب العالمية الأولى.
فعطلت هذا النظام السياسي، وأقامت حكماً عسكرياً،
يخضع مباشرة لإستانبول.
بيد أنه بأفول دولة الخلافة العثمانية، على أثر انتهاء
الحرب العالمية الأولى، واحتلال الجيوش الفرنسية لبنان، عام 1918، انتهى الوجود
العثماني، ليحل محله الانتداب الفرنسي، الذي قرره مؤتمر سان ريمو، عام 1920. غير
أنه لم يرتدِ الثوب القانوني الدولي، إلاّ بموجب قرار عصبة الأمم، عام 1923، الذي
نصت مادته الأولى على أن تضع الدولة المنتدبة، بالاتفاق مع السلطات المحلية، خلال
ثلاث سنوات، نظاماً أساسياً، يأخذ في الحسبان حقوق الأهالي ومصالحهم ورغباتهم،
ويؤمّن تقدمهم.
ولا يخفى، أن الدستور اللبناني، الذي صيغ في 23 مايو 1926، كان
من
وضع السلطة الأجنبية الفرنسية. ولم يغيّر من هذا الواقع، تعديله، في تواريخ
لاحقة؛ "فهو مجرد تعديل لبعض مواده، أريد به مسايرة الوضع الجديد للبلاد، دون
المساس بكيان الدستور نفسه، الذي أريد الإبقاء عليه، وعدم التخلص منه كلية".
ولم
يسلم لبنان من التدخلات الأجنبية، بعد إعلان استقلاله عن فرنسا، خاصة مع استمرار
الطائفية والصراعات الدولية، التي تبدت في العديد من الأحداث، من أهمها أزمة 1958،
إلى أن تفجرت الشرارة الأولى للحرب الأهلية الأخيرة، عام 1975، فاتحة الباب على
مصراعَيه، أمام الصراعات، الداخلية والإقليمية والدولية، في لبنان، إذ أسهم المناخ
السائد، آنذاك، على كافة هذه الأصعدة، في تأجيج حدّة هذا الصراع. ففي أعقاب حرب
أكتوبر عام 1973، وبعد توقيع اتفاقات فك الاشتباك، بين الكيان الصهيوني وكلٍّ من
مصر وسورية، كان هناك اتجاه للتوصل إلى تسوية سلمية، عبْر مؤتمر جنيف والأمم
المتحدة.
إلاّ أن التوازن، الذي كان قائماً بين العرب والكيان الصهيوني، وقتئذٍ،
وإن لم يكُن في مصلحة العرب بصورة تامة ـ لم يكُن مقبولاً من الكيان الصهيوني، خاصة
في
ظِل ثورة النفط، وازدياد عناصر القوة العربية، والتضامن النسبي بين الأقطار
العربية، وازدياد دور المقاومة الفلسطينية على الأرض اللبنانية. وكان لبنان مرشحاً،
آنئذٍ، بحكم توافر الخبرات الاقتصادية لدى أبنائه، لتأدية دور اقتصادي مهم في
المنطقة.
ومن ثَمّ، كان على الكيان الصهيوني أن يلعب دوراً في تعديل ميزان
القوى، تعديلاً، يقترب، بموجبه، من الحالة التي تراها ملائمة لأهدافها ومصالحها.
وهكذا، كان لا بد لها، أن تتجه نحو إجهاض كافة عناصر القوة العربية. فبادر وزير
الدفاع الصهيوني، آنئذٍ، إلى التصريح بأن الكيان الصهيوني، سيردّ على المقاومة،
المنطلقة من الأراضي اللبنانية، من خلال عمل ينبع من داخل لبنان. وجاء ردها،
بالفعل، من خلال الدور الذي لعبته في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية، وساعدها عليه
الأوضاع الداخلية اللبنانية.
وقد أدى إشعال هذه الحرب، إلى توجيه ضربة إلى
أحد مراكز التحضر العربي المتميزة، والقادرة على التعامل مع معطيات العصر الحديث.
كما أنه أدى إلى خلق مشكلة جديدة، على المستوى العربي، تتعلق بكيفية معالجة الوضع
في
لبنان، خاصة أن للبنان أهميته، بالنسبة إلى سورية، إحدى دول المواجَهة الرئيسية
مع
إسرائيل. ومن ثَمّ، فقد سعت إسرائيل، من خلال إشعال الحرب الأهلية اللبنانية،
إلى خلخلة في عناصر القوة العربية، لإضعافها، بقدر الإمكان. وتابعت خطواتها، بعد
ذلك، باحتلال جنوبي لبنان، والسيطرة على مياهه، وإنشاء ما يسمى "جيش لبنان
الجنوبي"، الموالي لها.

الحرب الأهلية في لبنان
(1975)
بداية نؤكد إن
الأزمة اللبنانية هي أزمة سياسية، ذات جذور، اجتماعية واقتصادية وتاريخية عميقة،
وإن أخذت وجهاً طائفياً؛ إذ اقتضت مصلحة الكيان السياسي في لبنان ذي النظام
الطائفي، الانخراط الاقتصادي الكبير في العالم العربي، وفي الوقت نفسه، الانعزال
السياسي الكبير عن قضاياه وصراعاته. واستطاعت الانعزالية اللبنانية، ولا سيما حزب
الكتائب، أن تفرض هذه العزلة على لبنان، وأن تجعل مواقفه السياسية متسمة بالحياد
السلبي، وأن تنأى به، إلى حدّ بعيد، عن الانتفاضات، التحررية والاجتماعية، التي
شهدها العالم العربي، قبْل عام 1967. وعلى الرغم من وجود بعض الظواهر، الوطنية أو
التحررية، في لبنان، إلا أنه أمكن الكيان اللبناني أن يمتصها، من دون حدوث تغييرات
داخلية عميقة، داخل هذا الكيان. لكن دخول حركة المقاومة الفلسطينية لبنان، قلَب
أوضاعه، وحمل كيانه على إعادة النظر في مواقفه وأوضاعه، وتحديد مواقف واضحة من
قضايا المقاومة والتحرر، والخروج من عزلته.
أما التناقضات الاجتماعية في لبنان ،
فهي عديدة، ومن أبرزها ذلك التخلف ، الذي كان سائداً في جنوبي لبنان . فبينما تتمركز
المصالح الاقتصادية في العاصمة، تتردّى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب.
وبينما تشهد العاصمة نمواً وازدهاراً، في كافة المجالات، يعاني الجنوب وأهله
الحرمان. وكما يظهر الضد حُسْن ضده، كذلك، الضد يظهر سوءه الضد، إذ برز تخلّف
الجنوب اللبناني في مقابل المستعمرات الإسرائيلية.
شهد لبنان، قبَيل حربه
الأهلية، تحوّلاً اجتماعياً كبيراً. تجلى في نمو قوى طفيلية ورأسمالية، عديدة،
وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى، واضطرابات طلابية وعمالية، عنيفة، واستشراء الغلاء،
وظهور قوى اجتماعية وتقدمية، جديدة، رأت في التغيير الاجتماعي علاجاً لأوضاع لبنان
ومشاكله. لكن هذه التغييرات، لم تكن واضحة لبعض القوى اليمينية في لبنان، التي رأت
في
الوجود الفلسطيني في لبنان، أساساً للحرب الأهلية اللبنانية. فشن حزب الكتائب
حملة ضارية على حركة المقاومة الفلسطينية، وأمعن في تدريب أعضائه، عسكرياً، وكثّف
تسلحه، ثم بادر إلى التصادم المسلح مع قوات المقاومة، في عين الرمانة، إيذاناً ببدء
الحرب الأهلية، التي استهدفت استنزاف قدرات المقاومة، عسكرياً وسياسياً، وامتصاص
طاقات العمل الفدائي، في أعمال جانبية أو ثانوية، تبعده عن هدفه الرئيسي ضد
إسرائيل، فيتوقف إطلاق النار في الجبهة الملتهبة الوحيدة، ويفتح الطريق أمام
التسوية النهائية مع العدوّ.
أعلى الصفحة

بداية الحرب الأهلية اللبنانية
تفجرت الحرب
الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينيات، إثر اغتيال النائب معروف سعد، عام 1975،
فيما عرف بأحداث صيدا. وعقب حادث عين الرمانة، الذي عكس التصادم الماروني ـ
الفلسطيني. بيد أن مناخاً متفجراً سبق، الحرب وأسهم في إشعالها.
أولاً
ـ
مؤشرات الحرب الأهلية اللبنانية
تباينت الآراء واختلفت في بداية الصراع.
فهناك مَن رأى أن وفاة جمال عبدالناصر، في 28 سبتمبر 1970، فتحت الأبواب لاحتمالات
القضاء على الوجود الفلسطيني، وضرب التيار الوطني، على أرض لبنان، بعد مذابح
الأردن. وثمة مَن قال بأن اغتيال الملك فيصل، في 25 مارس 1975، هو إشارة البدء
بالقضاء على هذا التيار. وبين هذا الرأي وذاك، آراء متعددة، لعل أقربها إلى الصواب،
أن
أحداث عام 1973 هي البداية، خاصة أن لها جذوراً، تمتد في الماضي، وفروعاً تطاول
العام التالي، 1974، حتى وقوع الانفجار مباشرة. ولعل أبرز الأحداث، التي رجّحت
اختيار نقطة البداية في هذا العام، هي:
محاولة الجيش اللبناني، في مايو
1973،
القضاء على المقاومة الفلسطينية، على أرض لبنان، أو على الأقل، كسر شوكتها.
وإزاء فشل الجيش في محاولته، تكوّنت الميليشيات الحزبية، لتضطلع بما عجز الجيش عن
القيام به، أو مساعدته، على أقلّ تقدير.
قرار مؤتمر القمة العربية السادسة الرقم
46،
في
الجزائر، في 28 نوفمبر 1973، أن منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي
الوحيد للشعب الفلسطيني، واعتراض الأردن على ذلك، وبداية أزمة سياسية حادّة، أثبتت
استحالة إقناع الأردن برأي الأغلبية.
تغيّر الدبلوماسية الأمريكية، في إطار
إستراتيجية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
بداية سلسلة اعتداءات إسرائيلية،
ذات طبيعة خاصة، على الفلسطينيين، في لبنان.
اندلاع حرب إعلامية عربية، تركزت،
بوجه خاص، في جرائد لبنان. وقد ارتبطت بظاهرة انتشار الخلافات بين الدول العربية،
التي بلغت حدّ التهديد باستخدام القوة بين الجيوش العربية، التي يجمعها اتفاق
الدفاع المشترك.
أعلى الصفحة

حلف ماروني، في مواجَهة المقاومة الفلسطينية
منذ اللحظة
الأولى للوجود الفلسطيني المسلح، ظهر تناقضه مع مصالح الفئة الحاكمة في لبنان، التي
رأت في تناميه خطراً على كل مقومات وجودها. وأسفرت الدعوة إلى إطلاق حرية العمل
الفدائي في لبنان، عام 1968، التي كانت تقف خلفها "الحركة الوطنية اللبنانية"،
والجماهير العربية المتعاطفة معها، عن نشوء حلف ثلاثي ماروني، من كميل شمعون وبيار
الجميل وريمون إده، استهدف:
الوقوف بالمرصاد للفدائيين الفلسطينيين، باعتبار
أن
ذلك يشكل خطراً، داخلياً وخارجياً، بالنسبة إلى الكيان الصهيوني !!.
الوقوف
في
وجه التيار الشهابي اللبناني، على أبواب الانتخابات النيابية، في ذلك العام،
تحضيراً للانتخابات الرئاسية عام 1970.
وقد رأى فؤاد لحود، رئيس لجنة الدفاع
في
مجلس النواب اللبناني، في منتصف السبعينيات، أن هدفَي الحلف، حققا له انتصارات
واسعة في الانتخابات النيابية. يضاف إلى ذلك، أن الحلف، لاقى تأييداً من الدول
العربية، اليمينية، إذ وجدت فيه مناصراً ضد اليسار. ودفع الحلف انتصاراته في
الانتخابات، والدعم العربي اليميني، إلى التصلب في مطالبته بالحدّ من انطلاق العمل
الفدائي من لبنان.
وساعد الكيان الصهيوني على دعم هذا التيار، بغارتها على مطار
بيروت، في 28 ديسمبر 1968، حين هبطت المطار فِرقة، بطائرات عمودية، ودمرت 13 طائرة
ركاب ونقل كانت جاثمة على أرض المطار، تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية،
رداً على عملية الفدائيين الفلسطينيين، في مطار أثينا، في 26 ديسمبر
1968.
وفي 18 فبراير 1969، أعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير
الفلسطينية قيام الكفاح المسلح . وبعد أيام، افتعلت السلطة اللبنانية تصادماً مع
المقاومة، بهدف تقييد الوجود العسكري الفلسطيني، في جنوبي لبنان. إلا أن غضبة
الشارع اللبناني، التي تمثلت في مظاهرات، اصطدمت بقوات الأمن، أدت إلى استقالة رئيس
الوزراء، ورفض مختلف القيادات السياسية قبول تشكيل الوزارة، مما جعل الأزمة
الوزارية تستمر 215 يوماً.
وخلال ذلك، استمرت المناوشات التي تحولت، مع شهر أكتوبر،
إلى اصطدامات مسلحة، في الجنوب، وعلى طول الحدود مع سورية، وفي المخيمات. ولكن
انحياز فئة كبيرة من الشعب اللبناني إلى جانب العمل الفدائي، إضافة إلى الأزمة
الوزارية، كل ذلك جعل حُكم شارل حلو في مواجَهة أزمة متصاعدة. فالجيش لم يستطع حسْم
القتال، ومنْع التجول لم يوقف التصادمات.
وتحت ضغوط الأزمة، والضغط العربي،
الرسمي والشعبي، طلب لبنان وساطة مصر.
وفي 31 نوفمبر 1969، توصل المفاوضون إلى
اتفاق سري، عرف باتفاق القاهرة، حق، بموجبه، العمل والإقامة والتنقل للفلسطينيين،
المقيمين بلبنان، وقت توقيع الاتفاق.
وبمقتضاه، تُنشأ لجان محلية، من الفلسطينيين
في
المخيمات، لرعاية مصالح اللاجئين، وذلك بالتعاون مع السلطات المحلية، وضمن نطاق
السيادة اللبنانية. مع وجود نقاط للكفاح المسلح داخل المخيمات، تتعاون مع اللجان
المحلية على تأمين حُسْن العلاقة بالسلطة.
وتتولّى هذه النقاط تنظيم وجود الأسلحة
وتحديدها، في المخيمات. والمهم أن الاتفاق انتهى إلى تأكيد الطرفين، أن الكفاح
المسلح الفلسطيني، هو في مصلحة لبنان، كما هو في مصلحة الثورة الفلسطينية والعرب
جميعهم.
أعلى الصفحة

تكوين الميليشيات اللبنانية
ما
كان للجيش اللبناني أن ينجح في
مواجَهة الخطر الإسرائيلي، حتى لو توافر له السلاح.
فأنّى له النجاح، وهو جيش بلا
وحدة تجمعه! انبثق من معادلة طائفية، فكان انعكاساً لها.
ولو استخدم في القضاء على
المقاومة الفلسطينية، فسيكون عرضة للانقسام. وقد أوضح التقرير، المعروف بالتقرير
532،
مدى عجز الجيش اللبناني عن النهوض بالمهام المطلوبة منه. وأن إعادة تسليحه
وتدريبه، تستغرق سنوات، وهي قد تذهب سدًى، إن لم يلتزم بتنفيذ الأوامر، نظراً إلى
التركيب الطائفي لرُتبه وتوزيعاته. ومن ثم، فليس هناك مفرّ من الاعتماد على
الميليشيات الخاصة، على أن يكون الجيش عاملاً مساعداً لها.

التركيب الطائفي
للجيش اللبناني ودوره في الحرب الأهلية
مثل التركيب الطائفي للجيش اللبناني أهم
العوائق، التي حالت دون إرساء دعائم جيش قوي موحَّد؛ إذ إن النسب الطائفية، التي
كان يجب أن يؤخذ بها، في السبعينيات، لم تراعَ. ففي عام 1975، كان 85 % من رُتب
قادة الوحدات للمسيحيين، بينما تُرك للمسلمين 15 بالمائة. ولم يقف أثر الطائفية عند
حدود توزيع الرتب، بل امتد إلى دور الجيش نفسه، الذي اتسم، منذ أزمة 1958،
بالطائفية. ومصداق هذا الواقع، أن الجيش اللبناني، استخدم في قصف بيروت، عام 1973،
بينما لم يكُن له دور فاعل في مواجَهة الهجوم الإسرائيلي على لبنان.
وإضافة
إلى التركيب الطائفي، اتّسم الجيش اللبناني بالضعف، الناجم عن انخراطه في السياسة،
إلاّ أنه على الرغم من ذلك، مثّل جهازاً مستقلاً، على عكس الحال في كثير من دول
العالم. فطبقاً لقوانين 1955، استقل قائد الجيش استقلالاً تاماً عن السلطة
التنفيذية. وفي غياب قانون التجنيد الإجباري، تحكمت السلطة السياسية في المؤسسة
العسكرية اللبنانية، وهو ما تبدّى من خلال عمليات التطهير والتبديل في القيادات
العسكرية، حسب التغيرات في الهيكل السياسي.
ولعل ما ضاعف من تدنِّي فاعلية
الجيش اللبناني، تفشّي الفساد بين القيادات العسكرية، من خلال تلقّي العمولات
والرشاوى، وهو ما اتضح من خلال عقد صفقة صواريخ الكروتال وطائرات الميراج، البالغة
قِيمتها200 مليون ليرة لبنانية، إلا أنها ألغيت، واستُبدل بالطائرات والصواريخ
مدافع 20 مم، المصممة قبل الحرب العالمية الثانية، ضد طائرات، كانت سرعتها لا
تتجاوز نصف سرعة الصوت، لتستعمل في لبنان، ضد أحدث طائرات. وقد عنى هذا الواقع، أن
النظام السياسي، قبَيل الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن يرغب في تقوية الجيش
اللبناني. حتى إن بيار الجميل، رئيس حزب الكتائب، آنذاك، أعلن في البرلمان
اللبناني، ضرورة تحويل جزء كبير من ميزانية الجيش، إلى الخدمات العامة، بدلاً من
النفقات العسكرية.
وهكذا، يمكِن القول، إن الجيش اللبناني، قد أصبح، قبْل الحرب
الأهلية وأثناءها، شراذم بين مختلف الانتماءات الطائفية. وكشف تقرير لمساعد رئيس
الأركان، استحالة استخدام الجيش، كوحدة متماسكة، أثناء الحرب، لأنه سيصبح "جيشاً
لفريق أو لطائفة، وليس جيشاً لدولة".
أعلى الصفحة

المراحل التى مرت بها الحرب الأهلية
اللبنانية
مرت الحرب الأهلية بمرحلتين. بدأت بمرحلة حرب المدن، وانتهت بحرب
الجبال، وإنْ استمرت حرب المدن، خلال المرحلة الثانية.
بدأت الحرب في مدينة
بيروت، عام 1975، بعمليات خطف عشوائية. ثم ارتبط الخطف برصاص القناصين، الذين
انتشروا على سطوح الأبنية العالية، التي تتحكم في مداخل الطرق. ثم رُفِعت المتاريس،
من
أكياس الرمل والأسلاك الشائكة، في كل مكان. فالخطف العشوائي هو أفضل السبُل
لإثارة الخوف، فيصبح كل فرد، مهْما كانت سلبيته، أو بُعده عن المشاركة في الأحداث،
عرضة للخطف. ثم إن انتشاره يخلق الشك بين الناس، فلا يثق أحد بأحد، إلا في دائرة
العائلة، التي تتسع لتشمل الحي، ثم الطائفة. وهكذا، يرتبط أمن المواطن بالعائلة
والحي والطائفة. ويُحكَم إغلاق الدائرة بالمتاريس والقنص. والقناص لم يكُن مجرد
قاتل محترف، وإنما جزء من إستراتيجية حرب المدن، بتحويل الأحياء إلى جبهات قتال.
وما أن يتحقق ذلك، حتى تجري عملية تطهير الحي من الرافضين للحرب، كأسلوب للتعبير عن
الخلاف في الرأي أو في المصلحة، سواء كانوا من الطائفة نفسها، أو من طائفة أخرى.
فالتطهير يشمل كل رافض لمنهج القتل. وإثر تطهير المنطقة، يوضع لها نظام حُكم، بقوة
السلاح، لغة الحرب الوحيدة.
وكشف الواقع، أن "الكتائب" كانت، في بداية الحرب
الأهلية، أكثر الأطراف دقة، في التنظيم والتنفيذ، بحُكم تنظيمها الفاشي، وحجم
السلاح، وعدد المدرَّبين عليه. ولم تكُن "الحركة الوطنية اللبنانية" في حاجة إلى
هذا الأسلوب؛ فهي، بحُكم طبيعتها، بعيدة عن الانغلاق. ووضح ذلك في بيروت الغربية،
التي كانت تحت سيطرتها، حيث لم يتعرض التجمع المسيحي الأرثوذكسي، في حي السريان، أو
في
منطقة المزرعة، للخطر، باستثناء بعض الحوادث الفردية، التي أمكن السيطرة عليها.
بينما لم تتورع "الجبهة اللبنانية" (الجميل ـ شمعون ـ فرنجية) عن القضاء على
الموارنة المعارضين لها، أو تهجيرهم من بيوتهم، إنْ كانوا ينتمون إلى عائلات
عريقة.
ومع التقسيم الجغرافي، بدأت حرب "الأحياء". وخلالها، أسفر معظَم
اللبنانيين ع |