الشهيد رفيق الحريري : عبد الناصر لبنان حنكمل المشوار

د. حسّان حلاق

 

كان الرئيس رفيق الحريري – رحمه الله – رجلاً تاريخياً ليس ككل الرجال، وكان زعيماً ليس ككل الزعماء، فمنذ أن كان طالباً في كلية التجارة في جامعة بيروت العربية، تميّز بخصائص وطنية وقومية وناصرية، فمنذ أن التحق بحركة القوميين العرب، وقد توسم فيه أصدقاؤه الجرأة والإقدام والعنفوان والعزّة والكرامة العربية، وعندما وقع الإنفصال بين مصر سوريا عام 1961 كان متألماً أشد التألم من فشل الوحدة العربية وأعتبر أن سبب هذا الفشل إنما القوى الإستعمارية وبعض عملائها المحليين، غير أنه كان مؤمناً بمستقبل العرب، وبعزيمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على الإستمرار في سياسته لتحرير فلسطين. وكان رفيق الحريري وهو في عنفوان الشباب في مقدمة المستقبلين لإخواننا المصريين الآتيين من سوريا بعد الإنفصال إلى رحاب منطقة الطريق الجديدة وجامعة بيروت العربية.

 

وبالرغم من سفره في منتصف الستينيات إلى المملكة العربية السعودية، وبالرغم من ظروفه الجديدة، غير أنه لم يَنْسَ مرة واحدة اتجاهاته الوطنية والقومية والعربية، وبالرغم من نكسة عام 1967 التي مُني بها عبد الناصر والعرب، ولكن إيمانه العميق بمستقبل فلسطين والعرب جعله دائم التفاؤل بمستقبل الأمة العربية، وقد أكدت حرب أكتوبر عام 1973 صحة قناعاته وإيمانه كما كان يقول بإستمرار لأصدقائه وأحبائه.

 

يقول رفيق الحريري أن أكثر فترة في حياته شعر فيها بالتألم والأسى فترة الحرب اللبنانية 1975 – 1990، وما أن قدّر له الإسهام في حلّها والعمل على إنهاء الفتنة في وطنه لبنان حتى بادر ـ بالتنسيق مع المسؤولين السعوديين ـ إلى مساعدة الوطن الجريح قبل وبعد الإجتياح قبل وبعد الأجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكان له دور فاعل في مؤتمري جنيف ولوزان، وكان مؤمناً مع الزعامات الوطنية بأنه ليس في مصلحة لبنان أن يرتبط بإتفاق مع إسرائي، لذا كان ضد أتفاق 17 أيار عام 1983.

وفي الوقت الذي كان يناضل رفيق الحريري سياسياً، كان لا يزال يناضل في متابعة أعماله المالية والاقتصادية، الأمر الذي جعله مؤمناً بالإنسان اللبناني الذي اعتبره عامل الإستثمار الأول في لبنان، لذلك بادر إلى تأسيس (مؤسسة الحريري) التي أوفدت إلى أميركا وأوروبا والعالم العربي أكثر من ثلاثين ألف طالب للتخصص العالي كانوا من مختلف الطوائف والمناطق اللبنانية، وهنا تكمن أهمية إتجاهات الحريري الوطنية والقومية والعروبية، حيث لا وجود للطائفية والمذهبية في قاموسه السياسي والفكري، لذا ساعد جميع الجامعات والمؤسسات والطوائف من دون إستثناء.

 

ومما يلاحظ أنه في فترة حرب السنتين 1988 ـ 1990 نشط الرئيس رفيق الحريري نشاطاً بارزاً متنقلاً بين الرياض ودمشق وبيروت تحت هول الأخطار والمخاطر، يريد إنقاذ لبنان من براثن الفتنة والغرائز ووقف حمامات الدم المسال على الأرض اللبنانية من دون أي رادع وطني أو أنساني، مع هجرة ونزوح وعذابات لمئات الآلاف من العائلات اللبنانية.

 

لقد كان باستطاعة رفيق الحريري ذلك المتموّل والثري الثراء غير المسبوق أن يفعل كسواه من اللبنانيين الأثرياء حيث استقروا في الخارج بعيداً عن هموم وعذابات الوطن والمواطنين، غير أن مسؤوليته التي تحمّلها بنفسه أبت عليه إلا إنقاذ الوطن، فكان إسهامه المميّز وباعتراف الجميع في (أتفاق الطائف) عام 199889 الذي أنهى الحرب اللبنانية القذرة التي دمرت وقضت على البشر والحجر.

 

ولكن هل أنهى رفيق الحريري مسؤوليته تجاه وطنه بعد (أتفاق الطائف) ؟ لقد استمر في متابعة جهوده الدؤوبة من أجل لملمة الجراح، فكان داعماً ومتابعاً لمسيرة (الجمهورية الجديدة) ولمسيرة الرئيس إلياس الهراوي مع حكومات ثلاث:

1.   حكومة الرئيس سليم الحص

2.   حكومة الرئيس عمر كرامي

3.   حكومة الرئيس رشيد الصلح

 

تأسيساً على ما تقدّم، فقد توسّم فيه الرؤساء حافظ الأسد، سليمان فرنجية، إلياس الهراوي وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ومجموعة كبرى من السياسين ورجال الإقتصاد في لبنان، توسموا فيه كل الخير، وأملوا أن يكون الرئيس الجديد للحكومة اللبنانية، وهكذا قدّر له عام 1992، فكان الأرتياح الشعبي عارماً صاحبه تدنى فيه الدولار الأميركي من ثلاث آلاف ليرة لبنانية إلى ألف وخمسمائة ليرة لبنانية، مما جعل الشعب يتنفس الصعداء، كما أبدت الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية أرتياحاً وتجاوباً مع (رجل الإنماء والإعمار) الذي آمن بالبشر وآمن بأن الحجر لن يكون إلا مسخراً أينما كان في لبنان، لهذا عمل بكل ما بوسعه على إعادة المهجرين إلى قراهم، وإلى تفعيل ورشة الإنماء والإعمار، وإتخذ شعاراً لبيروت المحروسة (بيروت مدينة عريقة للمستقبل)، وبالرغم من المصاعب السياسية والاقتصادية التي واجهت حكوماته بين أعوام 1992-1998، 2000-2004، غير أنه أستمر مؤمناً بلبنان وباللبنانيين.

 

لقد آمن بحق المقاومة في الدفاع عن الأرض والشعب، فعمل في الأوساط اللبنانية والعربية والمنتديات الدولية، وكرّس الإعلام العالمي للتوصل إلى تفاهم نيسان بعد (مجزرة قانا) عام 1996 والاعتراف الدولي بالمقاومة عاملاً أساسياً في المعادلة اللبنانية والعربية والدولية، والاعتراف بشرعيتها السياسية والعسكرية، وإنطلاقاً من نجاحاته في هذا المضمار تمنى عليه البيارتة المشاركة في إنتخابات بيروت عام 1996 ونصّبوه زعيماً بيروتياً بملء أرادتهم، لما لمسوا فيه من مواصفات الزعامة والإخلاص الوطني والقومي، والمحبة الخالصة لبيروت المحروسة.

 

وكان أول أمتحان بعد نجاحه في الإنتخابات النيابية عام 1996، إنما يتمثل في مسؤولية وطنية أخرى تمثلت بإنتخابات بلدية بيروت عام 1998 التي لو لم يقدر لها زعيم مسؤول كرفيق الحريري لكانت الطائفية والمذهبية نهشت بالإنتخابات ونتائجها، غير أن (الضابط الكبير) لتلك الإنتخابات، إنما يتمثل برفيق الحريري الذي رفض إلا المناصفة في أعداد المجلس البلدي، ولو على حساب المسلمين. ومن هنا تأكدت مجدداً زعامته الوطنية، وهو القادم حديثاً على السياسة اللبنانية، ولكن يكفيه فخراً أن خلفيته السياسية ليست قائمة على الأرث السياسي، إنما على القيم والمثل والمبادئ الوطنية والقومية العربية والناصرية، ومما دعم توجهاته أيضاً بأن البيارتة لم يكونوا يوماً يؤمنون بالطائفية والمذهبية والإنعزال والإنغلاق، بل كانوا على مر التاريخ القديم والوسيط والحديث في ممارساتهم.

 

لقد أكد قناعاته الوطنية والقومية والإسلامية في لقاء مع تجمع بيروت في 19 كانون الثاني 2005.

 

وفي لقاء عائلي في قصر قريطم في العاشر من شباط عام 2005 برز فيه كزعيم وطني ليس ككل الزعماء، ومما أكد عليه في هذا اللقاء :

1.   أن المقاومة في لبنان، وبالتحديد "حزب الله" ضمانة أساسية للبنان وللبنانيين، وهو ضد تجريد "حزب الله" من سلاحه، وهو ضد إدراج "حزب الله" على لائحة الإرهاب،وقد أكّد السيد حسن نصر الله هذه المعاني والقناعات بعد عدة أيام على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

2.   ينبغي أن لا يفكر أحد أن رفيق الحريري يمكن الآن وفي المستقبل أن يقفز فوق قناعاته الوطنية والقومية، وأن تناغمه مع البعض لا يعني مطلقاً القفز فوق مبادئه وإيمانه بالعروبة.

3.   إن العلاقة مع سوريا والدول العربية هي علاقة إستراتيجيّة مهما حدث من خلافات، إذ أن علاقات لبنان العربية يحكمها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، لذا لا بد من تنقية هذه العلاقات خدمة لسوريا ولبنان وللأمة العربية.

4.   لا يتصور أحد أن رفيق الحريري يمكن أن يكون أداة بيد قوى داخلية سبق لها انقضت على مقومات العيش المشترك والوحدة الوطنية، وبالتالي لا يمكن أن يكون أداة طيّعة بيد قوى أجنبية.

5.   أكّد على أهمية حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وإلى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف.

6.   أكّد رفضه للطائفية والمذهبية، رافضاً التقوقع غي إطار فكر مذهبي، فهو لجميع اللبنانيين سواء أكان في الحكم أو خارج الحكم.

7.   أكّد أن لا عودة للحرب الأهلية في لبنان، فاللبنانيون أصبحوا أكثر وعياً، وقد تبين لهم بعد حرب مدمرة أن لا جدوى من الحروب، وإن الحوار خير وسيلة لحل جميع المشاكل فيما بينهم، مؤكداً بأن اللبناني حريص على المحافظة على ما أنجزه في مجال إعادة أعمار بيروت وبقية المناطق اللبنانية، لهذا كان مؤمناً أشد الأيمان بوحدة العاصمة بيروت سواء في إطار الإنتخابات أو خارج هذا الإطار.

 

لقد آمن الشهيد رفيق الحريري بالإعتدال والوسطية في معالجته لمختلف الأمور، لهذا جمع في دارته عام 2002 ما يقارب خمسمائة عالم مسلم ليؤكد لهم أهمية أرشاد وتوجيه المجتمع نحو الإعتدال ورفض العنف والأرهاب.

 

وإنطلاقاً من مسؤوليته وإيمانه بالعيش المشترك ، فقد وعدنا ـ رحمه الله ـ مع وفد من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في عام 2004 بأنه سيشتري على نفقته الخاصة أراض للأوقاف الإسلامية في منطقة عنجر والجوار تعادل أن أكثر من الأراضي التي يقيم عليها الأرمن منذ سنين طويلة، مؤكداً أنه لا يستطيع أن يحمّل ضميره تهجير مجموعة بشرية آمنة مستقرة منذ عشرات السنين، مما يؤثر سلباً على العيش المشترك، ويسبب أزمة وطنية وطائفية، لبنان بغنى عنها.

 

هذا هو رفيق الحريري، رجل الخير والعطاء والبر والإحسان، رجل الوطنية والقومية، رجل السياسة والإقتصاد، رجل المهام الصعبة والمسؤوليات الجسام، هذا غيط من فيض، فالرجل يحتاج إلى دراسات ومجلدات ، فهو (أمة في رجل) وأغتياله يوم الإثنين الأسود هو بحد ذاته أغتيال للقيم والمثل والمبادئ العليا.

رفيق الحريري عبد الناصر لبنان : حنكمل المشوار.     

عودة لصفحة الدكتور حسان حلاق

عودة لصفحة السلطة الرابعة

//-->