في انتظارك..!

 

المستقبل - الاربعاء 9 آذار 2005 - العدد 1855 - شؤون لبنانية - صفحة 3

 

زاهي وهبي

 

الموتُ حق.

جملةٌ تتردد في مسامعي منذ نعومة الأحلام.

الموتُ حق.

ايمانٌ راسخٌ نشأتُ عليه وعلى أننا جميعاً على الدرب نفسها.

لكني حتى كتابة هذه السطور، بحبر القلب ودمع العين، لا أصدقُ أن رفيق الحريري قد غادرنا.
غادرنا بغتةً وعلى هذا النحو غير المألوف من قبله. فمن عادته أن يودعنا قبل السفر، أو أن يقول: انتظروني لن أتأخر كثيراً.

 

لا، لا أصدق، واستغفر الله.

بعد قليل، كعادتي كل مساء، سأتصل بعبد اللطيف الشمّاع، صديقي وصديق العمر الوفي لرفيق الحريري، وأسأله: وينك؟


­هونيك (هناك)، يجيبني.

و"هناك" تعني قريطم، عند دولة الرئيس.

بعد قليل أذهب الى "هناك"، كعادتي كل مساء، حيث "عبودي" و"البيك" سليم.

بعد قليل يأتي "الزعران": فيصل، محمد، علي، جورج، وهاني طبعاً. ثم يُطل "أبو طارق" تسبقه نكتة جديدة، نسمعها ونضحك، ويضحك "أبو طارق" أكثر حين "يرد" له فيصل النكتة، نكتتين وأكثر. نضحك من القلب، نضحك كأننا نقتل الوقت والانتظار بالضحك.


انتظار "العم الذي سوف يفتح باب مكتبه ويسأل: شو، وين "الزعران"؟

ربما يأتي درويش بوجهه الطيب، أو عدنان بضحكته المدوية، قائلاً: عمك يسأل عنكم؟ فنسارع الى "عمّنا"، الى أخينا الأكبر، الى سندنا، الى جبلنا الذي لا تهزه ريح، (وكم هبّت عليه رياح الحقد والحسد والنكران)، نتحلق حوله في المكتب الصغير الدافئ رغم التكييف الشديد البرودة، المكتب الصغير الذي يتسع لوطن بكامله، ويسألنا صانع الأخبار: شو الأخبار؟
أخبار البلد هي كما ذكرها لك جورج بكاسيني يا دولة الرئيس (في مقالته قبل أيام). أما أخباري فعاطلة جداً، أعرف ان هذا الأمر يحزنك، لكني كل مساء أهيم في الطرقات باحثاً عن لحظة طمأنينة وعن فسحة أمان، وأكذب على نفسي وأقول بعد قليل أذهب اليك.


أذهب اليك حتى لو لم أكلمك، حتى لو لم يتسع وقتك الطافح بهموم البلد والناس، لهمومي الصغيرة. أكتفي بالنظر اليك، الى وجهك الأليف ومحياك المشرق وابتسامتك التي تبعث على الأمان ونظرتك المتفائلة أبداً، وقامتك الوارفة مثل شجرة دُهرية مباركة، وأسمع صوتك الذي تعشش فيه حمامات السلام، ونبرتك الصيداوية المُحبّبة المُطعمة ببعض مفردات أهل الجزيرة العربية.


"ما يخالف" دولة الرئيس. سوف أنتظر. سوف أنتظرك. وفي انتظارك سوف أمازح علي نون قليلاً قائلاً للشباب: "علي شَاهدَ الرئيس عشرين مرة هذا الشهر لكن الرئيس لم يشاهده سوى ثلاث مرات(!)"، وكنا نضحك.


نعم، نضحك يا دولة الرئيس، ونعتب عليك قليلاً حين تبدو شاردَ الفكر زائغ النظرات، أو تصعد الى الطابق السابع دون أن تجلس معنا. نعتب عليك وننسى كم على كتفيك المتينتين من أثقال وهموم، وكم في ظهرك من سهام الغدر والجحود، كنا نعتب عليك لأنك بنبلك وبمودتك وبسموّك كنت تنسينا كل الألقاب وتعاملنا كرفيق، كرفيق حقيقي يهتم برفاقه وبهمومهم ومشاكلهم مهما كانت بسيطة وعابرة، ولا يتوانى عن الاطمئنان اليهم، اذا غابوا، حتى في منتصف الليل كان يأتي صوتك كبشارة أتذكر؟ أتذكر يا دولة الرئيس يوم دار نقاش بيننا إلى مائدتك المباركة بالتعب والشكر والعرفان، والتي لا تخلو أبداً من "منقوشة زعتر" أو "قرص فلافل"، دار نقاش عما اذا كنا ندماءك فقط، أم أصدقاءك؟
يومها كنت جازماً بصدقك المعهود ومعدِنك الأصيل: أنتم أصدقائي وأنا صديقكم. ولم ترض لنا صفة الندماء مع أن الندامة تطيب معك وتحلو، ولا تشكو من شيء.


لكن بالله عليك، قلّ لي ولو لمرة أخيرة، كيف كنت تجمع بين صداقة الملوك والزعماء وقادة الدنيا، وصداقة مجموعة من بسطاء الناس، تسميهم تحبباً "الزعران". كيف كان يتّسع قلبك الفسيح، وأنت عائد لتوّك من عند هذا الملك أو ذاك الزعيم، لتسألني عن أمي، أو تسأل علي عن ابنه، أو جورج عن شغله، أو فيصل ومحمد عن أسرتيهما؟
كيف يا دولة الحبيب، على تلك المائدة ذاتها، العامرة، لا بما لذّ وطاب (فأنت أصلاً تفضّل المنقوشة والفلافل) بل العامرة بحضورك الغامر، خصوصاً حين تتجلى في استذكار الماضي والبدايات الصعبة والصداقات الأولى والوالدين البارّين، والأخ والأخت الفاضلة، التي صارت اليوم "أخت الشهيد"، وكيف كانت الدمعة تلمع في عينيك حين تستذكر حسام، فلذة كبدك الذي قضى في ريعان الصبا والأحلام، وعدت به من أميركا جثماناً طاهراً يذكرك بأن الموت حق على الجميع.


على تلك المائدة يا دولة الحبيب، كنت تبسطُ "سُفرة" من حُب ومودة، من ذكريات وأحلام، من بساتين وبرتقال، وكانت تعبق في الجو رائحة بحر صيدا وبرتقالها و"أسكي دنيتها"، ويفوح عطر الزمن الجميل، زمن العروبة الرومانسية الحالمة يوم كنت شاباً مناضلاً في حركة القوميين العرب، مثلما كانت تعبق رائحة الرياض وباريس وبقية العواصم التي وسعت فيها خارطة لبنان حتى كاد البعض يحسب "الوطن الصغير" (جغرافياً) دولة عظمى وكيف لا يكون لبنان دولة عظمى حين يمن على الدنيا بعظيم مثلك؟
كنت في لحظات الصفاء والتجلي تحلق في اي موضوع يطرح، في السياسة، في الدين، في التاريخ، في العمران، وتناقش كل واحد على "قد عقله"، وتطول بالك علينا، وتطول سهرتك معنا حين تكون منتظرا قدوم "الست"، (كما تسميها دوماً) السيدة نازك من باريس، لا تنام قبل وصولها. تستبقينا معك الى ان تحين لحظة العناق بينكما كحبيبين بدأت قصة حبهما الآن، وبقيا عاشقَين الى الابد. كيف لا؟ ألم تقل لي، وأمام ملايين المشاهدين: نازك مثل قصب السكر كلما كبرت، صارت أحلى؟


انظر اليها من عليائك، كيف غدت اشبه بقديسة، بقلبها المغسول بالدمع، بروحها المتوجة بالرجاء، بمنديلها الابيض وبحزنها الذي يزيدنا سحرا ومهابة ويتوجها سيدة الالم والامل في آن.


انظر اليها مسبحة بالصلوات والادعية، مضاءة بالرجاء والشموع، مماطة بجمانة وهند وبقية الاسرة التي غرست شجرة عائلتها في تربة لبنان، فتبادلا حبا بحب وتعانقا في عز الفجيعة، حتى صار الشعبُ اسرتك، وصارت اسرتك شعبَك المجروح.


بهية تصلي الفجر عند الضريح والضريح صار خارطة الوطن. قم سيدي وأمسح دمعة "أخت الشهيد"، قم وأمسح دمعة لبنان الذي بكاك من اقصاه الى اقصاه حتى صار مسجد محمد الامين جامعاً لكل اللبنانيين، قم وانظر، فكم أحببت ان ترى مآذنه ترتفع، وقببه تلمع تحت ضوء القمر، والا، لما عرجت بنا يوم كنا برفقتك مع السيدة نازك والدكتورة هدى جمال عبد الناصر، الساعة الأولى ليلا بعد منتصف الليل لترينا المسجد، ولتطمئن اين اصبحت الورشة، ولتخبرنا ان لون القبب سيكون الأزرق!


الأزرق صار لون الحقيقة، ومن يستطيع تغيير لون البحر والسماء؟ فالحقيقة والحقيقة وحدَها هي التي تعيد "الخيمة الزرقاء" التي نصبتها فوق لبنان وسلمه الاهلي وعمرانه ومقاومته، وحميتها بأهداب العين لتحمي لبنان واللبنانيين فامتدت يد الشيطان، يدُ الغدر والاجرام لتهدمها في ثانية لئيمة أوقفت عقارب الساعة عند تلك اللحظة المشؤومة من 14 شباط.
 

نعم، توقف الزمن ايها الحبيب، فنحن لا نزال "هناك" في الطابق الخامس، في بيتك الذي صار وطناً، نتبادل الدمع بدل النكات، وننتظرك لتفتح الباب وتُطل علينا بوجهك الاليف، بقامتك الوارفة التي صارت ارزة لبنان، بابتسامتك المطمئنة، بصوتك الذي صار النشيدَ الوطنيّ بلكنتك الصيداوية، لتسأل: "وين "الزعران"؟

تمازحنا بهذه العبارة وأنت الأدرى ان بيتك لا يليق به الا الأوادم، اما الزعران الحقيقيون، الآثمون ذوو القلوب السوداء فهم الذين قتلوك في ظهيرة قاسية ستبقى في ذاكرة اللبنانيين كليل طويل دهري لا ينجلي الا بجلاء الحقيقة، الا بالأزرق الذي تحبه وتحب ان يحمي لبنان.

//-->