الرؤية الحضارية للبنان

 

تبدو الرؤية الحضارية لبلد مثل لبنان، اشد الرؤى الحضارية تعقيدا بين دول العالم الاسلامي. فهي من ناحية ،الدولة التي تتوغل فيها الفرقة الطائفية لتهدد فكرة الهوية "الموحدة "، وتجعل الوطنية في المشترك أعلي من الدينية ،أو تجعل الطائفية هي الوطنية والوطن هو الطائفة …الخ .


وهي من ناحية أخري الدولة التي تكاد لاتكون بها أغلبية من السنة ،حيث هناك الطوائف المسيحية ،وهناك الشيعية ،وبنسب عددية غير مسبوقة وغير موجودة في أية دولة عربية أخري ، وإذا كان الشيعة إنما يمثلون امتدادا للشيعة في إيران الإسلامية، فإن الطوائف المسيحية - وهي متعددة - أهمها الطائفة المارونية ،التي جاء تمثيلها السياسي في كثير من مراحل الصراع بين الطوائف اللبنانية، قريبا إلي الغرب (فرنسا – أمريكا – الكيان الصهيوني )، وهي أمور جعلت الصراع داخل لبنان في إجماليه صراعا خارجياً ،بين الدول العربية المساندة للسنة، والغرب المساند للطوائف المسيحية خاصة المارونية ،إضافة الي البعد المذهبي الشيعي الذي زادت قوة تأثيره في ثورات الصراع الداخلي، بعد ثورة إيران بقيادة الخميني .
وهي من ناحية ثالثة ،ووسط كل المشكلات التكوينية، فلبنان دولة مواجهة مع الكيان الصهيوني، الأمر الذي يجعلها دولة تحت الطرق المستمر من جميع الأطراف، ودولة الطرق الخارجي فيها، يمتد إلي أبعاد داخلية .


الرؤية الحضارية للبنان رؤية محاطة بمشكلات الطائفية، والتدخل الخارجي، والطرق من الخارج، والارتباط مع الخارج، ومن ثم فإن بديهيات التفكير في مسالة الهوية الوطنية، او مسالة الهوية الحضارية او الهوية الدينية قضية شائكة ومتعددة الأبعاد، ما يزال اللبنانيون أنفسهم لم يستنفذوا حوارهم وصراعهم من أجل الوصول إلي رؤية محددة مشتركة .


ويبدو أن المستقر عليه حتي الآن ،هو أن تكون الدولة اللبنانية، هي حاصل جمع الوضع الطائفي في كل مرحلة من المراحل ،أو هي حاصل نتيجة الجمع والطرح للتغيرات المحيطة والداخلية والدولية .


وقد ارتضي اللبنانيون في الفترة الاخيرة، أن يكون نظام الدولة، مقسماً يين ثلاث رياسات هي رئاسة الدولة للموارنة، ورئاسة البرلمان للشيعة ،ورئاسة الوزراء للسنة، على أن يحوي مجلس الوزراء نسباً من الطوائف غير الرئيسية إضافة إلي الطوائف الرئيسية .
وفي نفس الوقت، فإن كل أجهزة الدولة، وكذلك أجهزة الإعلام بكافة أشكالها وأنوعها، مقسمة علي هذا النحو هي الأخرى.


وإذا أخذنا المحطات التليفزيونية مثالاً فبالإضافة إلي المحطة التليفزيونية الفضائية المعبرة عن الدولة (تليفزيون لبنان ) هناك "المستقبل "المعبرة عن السنة ويملكها رئيس الوزراء رفيق الحريري الراحل ،وهناك "المنار"المعبرة عن الشيعة الذين يقودهم حزب الله، بعد تراجع الدور السياسي المهمين لحركة أمل الشيعية ،التي ما تزال تحتفظ في تمثيلها للشيعة، بموقع رئيس مجلس النواب.

أعلى الصفحة
ويمكن القول أن ملخص تاريخ الصراعات الداخلية في لبنان، كان تعبيراً عن تعديل توازنات القوي بين الطوائف اللبنانية وحتى داخل الطوائف اللبنانية وبعضها البعض، وبالتلازم بطبيعة الحال ،مع الأوضاع العربية والإسلامية، والأوضاع الدولية بطبيعة الحال أيضا .


في مجال تعديل التوازنات داخل الطوائف نفسها، هناك الصراع الشهير بين حركة أمل، وحزب الله ،في الفترة التي بدء فيها حزب الله بالظهور علي ساحة الحياة السياسية اللبنانية، وقد كان لهذا الصراع امتداده الخارجي، حيث كان حزب الله، وما يزال تعبيراً عن نمو العلاقات بين قطاع من الشيعة وايران، في مواجهة ارتباط قطاع آخر مع الحكومات العربية . ونفس الظاهرة حدثت في أوساط الطائفة المارونية ومظاهرها متعددة، منها حركة سمير جعجع والقوات اللبنانية والصراعات التي جرت خلال الحرب الأهلية اللبنانية.


أما تعديل التوازنات بين الفئات والطوائف اللبنانية، كجانب من جوانب الصراع بالإرتباط من الخارج، فقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية في أحد جوانبها، وربما يراها الكثيرون ،في أحد أهم أسباب إندلاعها ،إستجابة للأوضاع الخارجية وما يطرحه من تعديل للتوازنات في داخل لبنان، حيث ترك الموارنة وغيرهم بالإرتباط مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بإتجاه تعديل التوازنات لصالحهم داخليا، ومن خلال ضرب الفلسطينيين، الذين نظر لهم في - الوضع الداخلى - كرصيد للسنة وتهديدا للتوازن الطائفي، كما تحركت القوي العروبية والأحزاب السياسية المعادية للكيان الصهيوني، بإتجاه مواجهة تنامي قوة القوي المسيحية بشكل عام والمارونية بشكل ظاهر، وكان لدول المحيط العربي دورها في ذلك .


ويمكن القول أن حصاد الحرب الأهلية اللبنانية الأخيرة، وبغض عن التوصل إلي أقطار طائفيه في تقسيم الدولة ومناصبها، قد أدت إلي اضعاف القطاعات المسيحية المارونية، التي إرتبطت بالغرب خاصة بأمريكا والكيان الصهيوني ،ثم جاءت المقاومة الإسلامية، ودحر الاحتلال الصهيوني في الجنوب ، لتقوى أوضاع الشيعة في لبنان علي حساب كل الطوائف الأخرى.
أعلى الصفحة
 

مدخل
يُعدّ لبنان من أكثر أقطار الوطن العربي تعقيداً وتنوعاً، من الناحية الأثنية. فعلى الرغم من أنه أصغرها مساحةً، وأقلّها سكاناً، إلاّ أنه يضم أكبر مجموعة من التكوينات، الطائفية والمذهبية، الموجودة في الوطن العربي. فلبنان لا يعكس أغلبية. إنما هو مجموعة من الأقلّيات الطائفية، يبلغ عدد المعترف به منها سبع عشرة طائفة، لا يمثل أي منها، في الوقت الحاضر، أكثر من ثلث السكان. تشمل ثلاث مجموعات إسلامية، والبقية طوائف مسيحية. هذا غير جماعات أثنية أخرى، لا تصنف وفق الديانة أو الطائفة، ولها وجود فعلي، وإنْ لم يعترف بها، قانوناً، في الكيان السياسي الرسمي.


وفي إطار هذه التركيبة السكانية المعقدة، عكس الواقع التاريخي اللبناني، السياسي والاجتماعي، فترات من التعايش والتوتر والصراع، بين معظَم هذه الأقلّيات.
هذا وقد أحرزت لبنان تقدُّماً، نحو إعادة بِناء مؤسَّساتها السِّياسيّة، واستعادة سِيادتها الوطنيّة، منذ انتهاء الحَرب الأهليّة المُدَمِّرة، التي اندلَعَت عام 1975، واستمرت ستة عشر عاماً. وبموجب اتِّفاق الطّائف، برنامج المصالحة الوطَنية، أسَّس اللّبنانيّون، نظاماً سياسيّاً، أكثر إنصافاً، بإعطاء المُسلمين قدراً أكبر من التأثير في العمَل السِّياسيّ، في الوقت الذي حولوا فيه الطوائف الدينية، إلى مؤسسات.


وشكل اللّبنانيّون خمسة مجالِس للوزراء، منذ انتهاء الحرب الأهليّة، وأجروا عدد من الانتخابات الناجحة. وقد حُلَّت مُعظم الميليشيات اللبنانية، أو أصابها الوهن، واستولت القوّات المسلّحة اللّبنانيّة، على كمّيّاتٍ ضَخمةٍ من الأسلِحة، التي استخدمَتها الميليشيات، أثناء الحَرب، وبسطَت سلطتها المركزيّة، على نحو ثلثي أراضي الدولة. أما حِزب الله، الشّيعيّ المتشدد، فلا يزال يحتَفِظ بأسلِحته.


  //-->