|
العلاقات
الأمريكية اللبنانية
العلاقات
الأميركية اللبنانية .. مصالح حيوية ذات ابعاد استراتيجية
تدخل
العلاقات اللبنانية-الأميركية في إطار علاقات الدول الكبرى مع دول صغرى في
منطقة
لها فيها الدول الكبرى مصالح حيوية ذات أبعاد ستراتيجية. يعود الاهتمام
الأميركي
بلبنان في مرحلة الحرب الباردة إلى أسباب ثلاثة: أولا، لأن أميركا دولة
عظمى تتزاحم
مع الاتحاد السوفياتي على بسط نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في مختلف
مناطق
العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط حيث يقع لبنان. ثانيا، لأن الحروب التي
كانت
دائرة على أرض لبنان في مرحلة سابقة كانت لها إمتدادات إقليمية تتخطى
الواقع
اللبناني لتطال النزاعات الإقليمية التي تؤثر بدورها على مسار سياسة واشنطن
في
المنطقة. أما السبب الثالث فيرتبط بالعلاقات الثنائية بين لبنان وأميركا،
وتحديداً
بمصالح واشنطن في لبنان وبالدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان في محيطه
الإقليمي والذي
يتلاقى مع توجهات السياسة الأميركية في المنطقة.
محطات تاريخية
انحسار أهمية
لبنان الستراتيجية في النظام الإقليمي: 1958 – 1975
المراحل التي مرت بها
السياسة الأميركية تجاه المنطقة قابلتها مراحل موازية مرت بها العلاقات
اللبنانية-الأميركية عكست بدورها، انحسارا متزايدا في دور لبنان في نظامه
الإقليمي،
وبالتالي، في أهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى الدول الكبرى وفي مقدمها
الولايات
المتحدة الأميركية. عوامل عدة ساهمت في تقليص دور لبنان في محيطه الإقليمي
وفي وضعه
على هامش اهتمامات الدول الكبرى، ذلك أن، مقارنة سريعة بين لبنان الخمسينات
ولبنان
السبعينات تظهر التفاوت الكبير بين دور لبنان في سياسة المحاور خلال أزمة
1958
ودوره الجانبي في التحالفات الإقليمية والدولية عشية اندلاع الحرب في 1975.
فأزمة
1958
لم تكن لتجلب الاهتمام الأميركي لو لم يكن للبنان في تلك الفترة أهمية
ستراتيجية إقليمية بالنسبة إلى
واشنطن. فسقوط النظام الملكي الهاشمي في العراق
في 1958 (والعراق كان الركن الأساسي في حلف بغداد المتحالف مع الغرب)
والتهديد
الداخلي لنظام الملك حسين في الأردن، في الفترة نفسها، تزامن مع أزمة 1958
في
لبنان. عوامل عدم الاستقرار في المنطقة، والتي كان من أسبابها المباشرة
السياسة
الناصرية المناهضة للغرب، لا سيما للولايات المتحدة وبريطانيا، ساهمت في
إعطاء
لبنان دوراً مركزياً في السياسة الأميركية تجاه دول المنطقة. وهذا ما وضع
لبنان في
صلب الحرب الباردة وأعطاه أهمية ستراتيجية كانت في النهاية الضمانة
السياسية التي
سعت إليها الدولة اللبنانية، ولو منقسمة، في أواخر عهد الرئيس كميل شمعون
الذي أيد
مبدأ ايزنهاور في 1957.
لم يطرأ أي تحول جذري على موقع لبنان في نظامه الإقليمي
خلال النصف الأول من الستينات. فالخلافات بين الأنظمة العربية، بدءاً
بانهيار
الوحدة بين مصر وسوريا، مروراً بالصراع المصري-السعودي في اليمن وانتهاءً
بالانقلابات المتتالية في سوريا والعراق، وضعت لبنان مرحلياً خارج الصراعات
الإقليمية وامتداداتها الدولية. المحطة الفاصلة كانت الحرب
العربية-الإسرائيلية في
1967،
بالرغم من أن لبنان لم يشارك في الحرب ولم تحتل أرضه، فإنه دفع ثمن الهزيمة
العربية، وكان الضحية الكبرى للصراعات العربية، من جهة، وللنزاع
العربي-الإسرائيلي،
من جهة أخرى.
بعد حرب 1967، يبدأ العد العكسي لمسار الأزمات السياسية والعسكرية
سواء داخل لبنان أو في الجنوب حيث المواجهة مع إسرائيل. لن ندخل في
التطورات التي
كانت وراء اندلاع الحرب في لبنان سنة 1975، ولا في لعبة المحاور التي نتج
عنها بروز
"فتح"
داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ولا حتى في الصراعات العربية - العربية في
فترة ما بعد حرب 1967. لكن ما يهمنا هنا هو أن المعادلة الجديدة التي
أوجدتها الحرب
في أواخر الستينات، إن على الصعيد العربي أو على صعيد النزاع العربي-
الإسرائيلي،
زجت لبنان في ما عرف آنذاك بحرب الاستنزاف العربية- الإسرائيلية. وهكذا
تحول الجنوب
اللبناني إلى ساحة مواجهة عسكرية بين المنظمات الفلسطينية وإسرائيل. شيئا
فشيئا،
انسلخ الجنوب المحارب عن بيروت غير المحاربة إلى أن تفتَت الوطن أجزاء
تحارب بعضها
بعضا. لكن السؤال المطروح
هو كيف يمكن ربط هذه التحولات بالسياسة الأميركية
تجاه لبنان وبموقع لبنان على خريطة المنطقة السياسية في منتصف السبعينات،
أي خلال
الفترة التي سبقت اندلاع الحرب؟
.
أعلى الصفحة
في الدائرة المغلقة التي يتألف منها النظام
الإقليمي، يشكل لبنان العقد الأضعف. فكل ما يؤثر على الجزء يؤثر على الكل
والعكس
بالعكس. المتغيرات الأبرز التي كان لها التأثير المباشر على موقع لبنان في
النظام
الإقليمي، وبالتالي على طبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية، هي
الآتية:
أولا، بروز المقاومة الفلسطينية بقيادة جديدة وبسلاح جديد بعد حرب 1967،
واتخاذها
من لبنان قاعدة أساسية لانطلاقها سياسياً وعسكرياً وإعلامياً.
فالمقاومة
الفلسطينية، بفضل تركيبتها السياسية المتشعبة وتعدد مراكز القرار داخل
منظماتها
وتعدد ارتباطاتها بأنظمة عربية متنازعة، ربطت السياسة الداخلية اللبنانية
بكل جوانب
النزاعات العربية السياسية والعقائدية والعسكرية، وطبعا بالنزاع
العربي-الإسرائيلي-الفلسطيني. وجود المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان
زج
بالدولة اللبنانية في النزاعات الإقليمية لكن من الباب الخلفي، أي دون أن
يكون لها
دور في القرار السياسي الخارجي، في بادئ الأمر، والداخلي في مرحلة لاحقة.
ففي نزاع
بين دولة لبنانية تفتقر إلى أدوات السلطة التي تتمتع بها جميع الدول
العربية ( نظام
سلطوي وأيديولوجية تضفي صفة الشرعية على الحكم ) ومقاومة فلسطينية تلقى
الدعم
الواسع من معظم الأنظمة العربية، سيكون لبنان حتما هو الخاسر. فلا تعادل في
نزاع
بين الدول والثورة. وهكذا خسرت الدولة اللبنانية معركة تلو الأخرى، بدءاً
باتفاقية
القاهرة في 1969 وصولا الى مراحل الحرب المتلاحقة.
الحدث الآخر الذي كان له
الأثر المباشر على مسار الأزمة في لبنان هو الحرب الأردنية- الفلسطينية (
1970 -
1971 )،
التي حسمت في النهاية لصالح الملك الهاشمي. هذه الحرب، التي جلبت اهتمام
الدول الكبرى وقوى إقليمية عربية فضلا عن إسرائيل، شكلت المحور الأبرز
بالنسبة الى
لبنان في أوائل السبعينات. ذلك أن لبنان والأردن كانا البلدين العربيين
الأكثر
تضرراً والأقل مناعة تجاه المقاومة الفلسطينية في مرحلة ما بعد حرب 1967.
لكن في
الأردن، حيث القرار للملك بعكس لبنان حيث المجتمع مفتوح وحيث الدولة
برأسين، استطاع
الملك حسين أن يحسم النزاع لصالحه وينهي الوجود الفلسطيني المسلح بدعم
أميركي
وبمساندة إسرائيلية غير مباشرة. عواقب النزاع الأردني- الفلسطيني كانت
وخيمة على
لبنان. فبعد خسارة الأردن، أصبح لبنان القاعدة الأساسية للمقاومة
الفلسطينية والبلد
الوحيد الذي يتمتع فيه الفلسطينيون بحرية القرار السياسي والعسكري. وهذا ما
زاد في
تعقيدات مشاكل لبنان الداخلية وشد الطوق على الدولة.
أعلى الصفحة
ثمة عامل آخر ساهم في
تحجيم دور لبنان في محيطه الإقليمي يرتبط ببروز تحالفات إقليمية جديدة بعد
وفاة
الرئيس المصري عبد الناصر في 1970/ إلا أن التطور الأهم في ما يخص توازن
القوى داخل
الصف العربي، وخصوصا بالنسبة إلى لبنان، كان مجيء الرئيس الأسد إلى السلطة
في سوريا
في 1970. حكم الأسد، ، رفع مكانة سوريا ودورها إلى مستويات لم يعرفها أي
نظام سوري
من قبل، ليس فقط في سياسة المحاور العربية بل أيضا في المعادلة العسكرية
والسياسية
بين إسرائيل ودول المواجهة العربية. في عهد الرئيس الأسد نعمت سوريا
بالاستقرار بعد
أن ضربت الرقم القياسي في عدد " الحركات التصحيحية" في الخمسينات
والستينات.
الاستقرار الداخلي أعطى الحكم السوري حرية التحرك. ففي منتصف السبعينات،
كان الرئيس
الأسد قد قطع شوطاً كبيراً في بلورة أفكاره وستراتيجية تحركه إقليمياً
ودولياً،
وذلك من خلال تواجد القوات السورية في لبنان، المكان الأنسب للعب أوراقه
العربية
والفلسطينية والإسرائيلية. ولسوريا من أدوات التدخل المباشر على الساحة
اللبنانية
ما يعطيها هامشاً واسعاً في المناورة السياسية بدءاً بالمنظمات الفلسطينية
الموالية
لسوريا وانتهاءً بقوى سياسية أخرى.
الحدث الإقليمي الآخر الذي اثر في لبنان وفي
علاقاته وموقعه الإقليمي كان الحرب العربية-الإسرائيلية في 1973، إذ استطاع
جميع
افرقاء النزاع تحقيق مكاسب سياسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الحرب
إلا لبنان.
بل على العكس، فمرحلة ما بعد حرب 1973 كانت حاسمة بالنسبة إلى التفجير
العسكري في
لبنان في 1975. إذا اعتبرنا أن التطورات التي ذكرناها أعلاه ( بروز
المقاومة
الفلسطينية بعد 1967، وحرب الأردن، وتعاظم دور سوريا إقليمياً) أدت إلى
تحجيم موقع
لبنان في نظامه الإقليمي، فإن حرب 1973 كان لها الأثر الأعمق على موقع
لبنان من
منظار السياسة الإقليمية للدول الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة
الأميركية.
ثمة عاملان رئيسيان وراء هذا الواقع: أولا، بروز الأهمية الستراتيجية
"لسلاح
النفط" العربي بعد رفع سعره وحظر تصديره في 1974، الامر الذى تسبب أزمة
طاقة خانقة
شلت اقتصاد معظم الدول الصناعية المستوردة للنفط. ثانيا، المعطيات الجديدة
التي
خلقتها الحرب والتي حركت النزاع العربي-الإسرائيلي باتجاهات عدة أتت في
معظمها على
حساب لبنان.
التركيز الدولي على دول المواجهة بعد 1973 همش دور لبنان في نظامه
الإقليمي وربط مصيره بتقلبات النزاع العربي-الإسرائيلي. فلبنان الذي يفتقر
إلى
البترول وإلى أسواق تجارية واسعة لا يستطيع منافسة دول عربية تربطها
بأميركا مصالح
حيوية ذات أبعاد ستراتيجية. ففي حين كان لبنان الخمسينات يتمتع بموقع مميز
بالنسبة
إلى الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، خصوصاً بعد حرب السويس في 1956،
فإن
لبنان السبعينات تجاوزته الأحداث وتجاذبته النزاعات الإقليمية دون أن
يستطيع
التأثير على مجريات الأمور، ودون أن يتمكن من تحصين جبهته الداخلية للحد من
التدخلات الخارجية التي تزيد من تفككه.
هذه المعطيات كلها وضعت لبنان في موقع
دفاعي صعب بحيث أنه أصبح الأرض الخصبة لتفجير الصراعات الجانبية في انتظار
ما سيأتي
من تطورات. لم تكن لواشنطن سياسة واضحة تجاه لبنان قبيل اندلاع الحرب، بل
كانت لها
سياسات أوضح تدخل في إطار استراتيجية تحركها في المنطقة تجاه عناصر النزاع
العربي-الإسرائيلي المتواجدة في لبنان، والمتمثلة بالمنظمات الفلسطينية
وسوريا
وإسرائيل. فالاهتمام الأميركي انصب على ما يحتويه لبنان من "قنابل موقوتة"
فاقت
بأهميتها وخطورتها لبنان الدولة والكيان بالنسبة إلى سلم أولويات واشنطن.
بمعنى
آخر، إن ما احتواه لبنان في منتصف السبعينات كان أهم بالنسبة إلى الإدارة
الأميركية
من لبنان بحد ذاته. فتعاملت واشنطن مع هذا الواقع دون أن تحاول تغييره إما
لغاية
إقليمية، أو لسبب يتعلق بميزان القوى داخل لبنان.
من هنا يمكن فهم قراءة واشنطن
للوضع اللبناني، وبالتالي تفسير كيفية تعاطي واشنطن مع الواقع على الأرض.
أعلى الصفحة
و
بالرغم من تعدد النظريات المتعلقة بالسياسة الأميركية تجاه الأزمة
اللبنانية، فإن
وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر لم تكن لديه مخططات جاهزة
للتنفيذ في
لبنان. لقد كتب الكثير وقيل الكثير عن هذا الموضوع، لكن دون أن يحاول أحد
التمييز
بين واقع الانهيار الحاصل على الأرض والحاجة إلى مخططات لتحويل لبنان إلى
ساحة
صراعات إقليمية. في الواقع، إن نظرة كيسنجر إلى لبنان مشابهة لنظرة أي
مسؤول أميركي
في موقع صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية. فموقف واشنطن معروف من
المعادلة
الإقليمية بعد حرب 1973، ومن توازن القوى داخل لبنان وخارجه في منتصف
السبعينات،
وذلك بصرف النظر عن هوية وزير الخارجية الأميركي وآرائه. فكيسنجر أو سواه
من
المشرفين على سياسة واشنطن الخارجية كانت أمامه وقائع معينة تعامل معها
بالطريقة
التي تؤمن المصالح الأميركية في الدرجة الأولى، ومصالح حلفاء أميركا
الرئيسيين في
الدرجة الثانية. لذلك، فإن دور واشنطن تمثل في طريقة التعاطي مع الأمر
الواقع، بعد
أن أصبح لبنان ساحة مباحة للنزاعات الإقليمية، وانهارت دولته وشلت قدرة
جيشه على
التدخل لحماية الوطن من أخطار الداخل والخارج.
أما إذا أردنا تحديد المسؤولية
الأميركية في الانهيار الذي حصل في لبنان، فنعود إلى فترة ما بعد حرب 1973،
وتحديداً، إلى السياسة التي اتبعتها واشنطن والتي رسمها كيسنجر لمعالجة
النتائج
التي خلفتها الحرب. لقد كان للتحرك الأميركي الذي أدى إلى فك ارتباط عسكري
على
الجبهتين المصرية والسورية في 1974 و 1975، ولديبلوماسية "الخطوة خطوة"
التي اتبعها
كيسنجر انعكاسات سلبية على موقع لبنان على الخارطة السياسية في المنطقة.
لكن هذه
السياسة الأميركية لم تكن إلا ردة فعل على واقع أفرزته الحرب، وليس نتيجة
سياسة
أميركية رسمت خطوطها الكبرى قبل اندلاع الحرب. فحرب 1973 حصلت بقرار عربي
مصري-سوري
لكسر الجمود ولقلب واقع "اللاحرب واللاسلم" بالرغم من معارضة موسكو وواشنطن
لهذا
القرار الذي اتخذ في زمن الانفراج السياسي
détente
بين الجبارين. بمعنى آخر، لم
يكن الهدف من المعالجة الأميركية للنزاع العربي- الإسرائيلي في منتصف
السبعينات ضرب
الاستقرار الداخلي في لبنان، ذلك أن لبنان لم يكن عقبة وجب تذليلها قبل
المضي في
تنفيذ السياسة الأميركية.
لكن لبنان الأضعف في نظامه الإقليمي دفع الثمن الأكبر
لنتائج حربي 1967 و1973، سواء بالنسبة إلى التحالفات الإقليمية أو بالنسبة
إلى
سياسة الدول الكبرى تجاه أزمة الشرق الأوسط.
السياسة الأميركية تجاه لبنان:
مرحلة التجميد 1975 – 1976
خلال حرب السنتين (1975 - 1976)، شهدت العلاقات
اللبنانية- الأميركية فتوراً ملحوظاً وذلك بسبب عدم وجود موقف أميركي واضح
من
الأزمة، إضافة إلى موجة العنف التي اجتاحت البلاد والتي كان من ضحاياها
السفير
الأميركي نفسه، فرنسيس ميلوى، بعد وصوله بوقت قصير إلى بيروت خلفاً للسفير
غودلي.
وهذا ما حمل واشنطن على تخفيض طاقم سفارتها والاكتفاء بتمثيل ديبلوماسي
محدود. وعين
في هذه الفترة تالكوت سيلي، الذي أصبح لاحقاً سفيراً لبلاده في دمشق. بعد
اشتداد
موجة العنف وتبلور الأبعاد الإقليمية للحرب، حاولت واشنطن، وللمرة الأولى،
استجلاء
المواقف عن كثب، فأوفدت السفير دين براون ( سفير سابق في الأردن خلال أحداث
1970 )
في مهمة خاصة لمحاولة إنهاء القتال في لبنان بأقل كلفة ممكنة لواشنطن.
الهدف
الأساسي من التحرك الأميركي كان إنهاء القتال في لبنان، أي الوصول إلى وقف
ثابت
لإطلاق النار، لكن دون قلب المعادلة الداخلية جذرياً، ودون إحداث أي تغيير
أساسي
بالنسبة إلى عناصر النزاع العربي-الإسرائيلي-الفلسطيني المتواجدة في لبنان.
الخطوط الكبرى للسياسة الأميركية تجاه لبنان خلال حرب السنتين تمحورت حول
المحافظة على معادلة الأمر الواقع التي نتجت عنها الحرب
( Status quo) ،
وهي في
شقين متداخلين، داخلي يرتبط بالنظام السياسي والطوائف والأحزاب، وخارجي
يرتبط
بالأبعاد الإقليمية للحرب في لبنان. داخلياً، اقتصر الدور الأميركي على
تطويق
الأحداث دون الولوج إلى الأسباب العميقة للحرب مع المحافظة على حد أدنى
لسلطة
الدولة ولعمل مؤسساتها، خصوصاً مؤسسة الجيش، التي أعيد بناؤها في سنة 1977
بدعم
أميركي. من هنا، نفهم العبارة المعهودة التي يرددها عادة الناطق الرسمي في
وزارة
الخارجية والتي تدعو إلى الحفاظ على " وحدة لبنان وسيادته ". هذا الدعم
الاسمي الذي
يحصل عليه لبنان يتعارض بشكل مبدئي مع مفهوم الوحدة والسيادة الذي تنادي به
بعض
القيادات اللبنانية، ومنها رئيس الجمهورية الياس سركيس آنذاك الذي، بالرغم
من تأييد
واشنطن لانتخابه في 1976، لم يحصل إلا على الدعم الكلامي من الإدارة
الأميركية. فما
سعت إليه واشنطن هو أن تتجنب، بقدر المستطاع، حدوث انهيار كامل لمؤسسات
الدولة
اللبنانية، لا حباً بلبنان أو حفاظاً على مصلحة أميركية معينة فيه، بل لأن
الانهيار
في لبنان يزيد من المشاكل التي تحاول واشنطن تطويقها. وفي الوقت عينه، لم
تسع
واشنطن إلى مساعدة الدولة على استرداد سلطتها وسيادتها على كامل الأراضي
اللبنانية،
كما تعبر تصاريح ممثليها الرسميين. فلبنان منتصف السبعينات أصبح دويلات
صغيرة مجزأة
يتنازع على السيطرة عليها ثلاثة افرقاء: سوريا والمنظمات الفلسطينية
وإسرائيل.
يبقى مبدأ إصلاح النظام الذي أيدته واشنطن منذ إعلان الوثيقة الدستورية في
شباط
1976،
والذي يلتقي مع مبدأ استعادة الدولة سلطاتها، أقله من
المنظار الأميركي. هذا
طبعاً على المستوى النظري، ذلك أن الواقع على الأرض مغاير للنتائج التي
تبغيها
واشنطن من الإصلاح. وهنا تظهر الهوة الكبرى بين الإصلاح الحقيقي الذي يؤدي
إلى بناء
نظام أفضل وينهي الحرب بأبعادها الداخلية والخارجية والإصلاح كشعار ترفعه
واشنطن
لتمرير سياسة التجميد في لبنان. والإصلاح كلمة رنانة تستطيع واشنطن تسويقها
سياسياً
وأعلامياً، دون أن توضع الملامة عليها في حال تعثر مسيرة السلام في لبنان.
أعلى الصفحة
أما
الشق الخارجي للسياسة الأميركية تجاه لبنان بعد حرب السنتين، فلسوريا الدور
الأكبر
فيه. في أواخر 1976، باتت دمشق الطرف الأقوى عسكرياً وسياسياً في لبنان.
وبرزت نقطة
التحول عندما حسمت دمشق الحرب عسكرياً في خريف 1976، فوضعت حداً لتنامي قوة
المنظمات الفلسطينية بقيادة فتح بعدما أصبحت تهدد أمن النظام السوري، ليس
فقط في
لبنان بل أيضا داخل سوريا. من هنا، كان تلاقي المصلحة السورية مع السياسة
الأميركية
والذي كان يصب في خانة احتواء المد الفلسطيني (خصوصا فتح) داخل لبنان.
بكلام آخر،
لم يكن مسموحاً تغيير المعادلة الإقليمية، لا إقليمياً ولا دولياً، لئلا
يصبح حجم
منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان أكبر من حجمها في معادلة النزاع
العربي-الإسرائيلي في تلك المرحلة من النزاع. فالرهان يومها كان على
"الخيار
الأردني" وعلى |