الخبر اليقين في بناء جامع محمد الأمين (r)

 بقلم د. حسان حلاق*

بمناسبة قرب افتتاح جامع محمد الأمين (r) ولشدة اهتمامي بزاوية أبي النصر اليافي في باطن بيروت ومشروع الجامع وبالتطورات المرتبطة بحدوث " المعجزة " في بنائه برعاية وهمة وتبرع الرئيس الشهيد رفيق الحريري – رحمه الله – ومتابعة وجهد يومي من صاحب السماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني ومن رئيس وأعضاء " هيئة أمناء مسجد محمد الأمين " ، فقد سبق أن ألفت مخطوطة بعنوان " الخبر اليقين في بناء جامع محمد الأمين " .

 من أين يبدأ الخبر اليقين ؟ وكيف انتهى الخبر إلى بناء جامع محمد الأمين ؟

 زاوية أبو النصر اليافي ( جامع محمد الأمين (r) )

 أنشأ الشيخ أبو الوفاء محمد أبو النصر اليافي ابن الشيخ عمر اليافي شيخ الطريقة الخلوتية زاوية سميت بزاوية أبي النصر سنة 1853م . ومما يذكر أن السلطان العثماني عبد المجيد (1839 – 1861) ، قدم للشيخ قطعة الأرض التي أقيمت عليها الزاوية التي نزل بها ضيفاً الأمير عبد القادر الجزائري ، لدى مروره ببيروت في طريقه نحو دمشق . كما أقيم عليها سوق أبو النصر ، كما عرف الباب المطل على ساحة الشهداء بإسم باب أبي النصر .

 وتحولت هذه الزاوية الصغيرة فيما بعد إلى مسجـد صغير ، يحمل اسم خاتم الأنبياء محمد الأميـن (r) ، ويقـع في شارع الأمير بشير الـذي يربـط ساحـة البرج بساحـة السور ( ساحة رياض الصلح حالياً ) ، وذلك بجوار معمل كازوز جلول ، حيث يدخل إليه عبر ممر مدخله بوابـة حديديـة ، مما يجعل موقعه خلف المحلات المطلة على الشارع مثل محل بيع كازوز جلول ومحمصة شكري حماصني ومحل ساعات جوفيال ، ومن جهة ساحة الشهداء ، يقع خلف محلات بن عازار وبن السيباسي عضام ، وخلف قهوة القزاز الشهيرة .

 وكانت هذه الزاوية – المسجد لا تزال قائمـة عند اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975 ، وهي نواة مشروع جامع محمد الأمين ، منذ أن اشترت مديرية الأوقاف الإسلامية الأقسام الملاصقة لها . 

ومسجد محمد الأمين يجاور في ساحة البرج عقار رقم (323) مرفأ مع عقار رقم (306) اللذين تبلغ مساحتهما (1559) متراً مربعاً كانا قانونياً بتملك بعض العائلات البيروتية ، وقد أعربت جمعية محمد الأمين منذ سنة 1965 برئاسة د. محمد خالد وفيما بعد الرئيس صائب سلام عن رغبتها في شراء هذه الأرض وضمها إلى الجامع الصغير لتشييد جامع كبير يليـق بالمسلمين في هذا البلد ، فتمكنت من شراء كامل الأرض بكامل أقساطها ، وباشرت المرحلة النهائية من المشروع ، وهي دفع ما يسمى " خلّو " المحال التجارية القائمة على العقار (323) والتي تتألف من ثمانية عشر محلاً تجارياً . وقد تحول الحلم إلى واقع حين تم شراء العقار (323) . بيد أن إتمام المشروع كان يتطلب بذل المال ، لذا سارع أهل النخوة من لبنان والبلدان العربية والإسلامية إلى التبرع للمشروع ، وتدفقت إلى صندوق جمعية محمد الأمين ، مئات آلاف الليرات قبل اندلاع الحرب عام 1975 ، وكان في طليعة المتبرعين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي قدم سنة 1957 مبلغ عشرين ألـف جنيه ، والملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز الذي تبرع سنة 1966 بمبلغ مليون ومائتي ألف ليرة ، ورئيس الوزراء الكويتي آنذاك الأمير جابر الأحمد الصباح ( أمير دولة الكويت فيما بعد ) ، الذي قدم مائتين وخمسين ألف ليرة ، وأمير دولة قطر يومذاك الأمير خليفة بن حمد آل ثاني الذي تبرع بمائة ألف ليرة ، فضلاً عن المبالغ التي تبرع بها اللبنانيون والأشقاء العرب من سائر الأقطار العربية .

 

مشكلة جمعية محمد الأمين

 أصر رئيس وأعضاء جمعية محمد الأمين ولسنوات عديدة على أن تبقى القيّمة على مشروع بناء الجامع ، وأنها لا يمكن أن تتنازل عن العقارات الخاصة بالمشروع إلا بعد أن ينتهي البناء من المسجد ، بحيث يتراءى للمسلمين بأن بناء الجامع وكأنه شراكة بين جمعية محمد الأمين والمديرية العامة للأوقاف الإسلامية ، واعتبرت الجمعية أن الضمانة الوحيدة لتنازلها هو البدء فعلاً ببناء المسجد ، مما يعني أيضاً عدم ثقة بصاحب السماحة وبالمديرية العامة للأوقاف الإسلامية .

 لقد جهد مفتي الجمهورية ومعه هيئة أمناء مسجد محمد الأمين ، وجميع الزعامات الإسلامية ورؤساء الجمعيات لإقناع جمعية محمد الأمين بتسليم العقارات لبدء البناء ولكن دون جدوى . وتبين أنه لا يمكن تنفيذ المشروع – الحلم إلا بحل جذري . كنا ومجموعة من أحباء الرئيس الشهيد رفيق الحريري نعالج هذا الموضوع الشائك ، إلى أن اقترح أحدنا الأخ محمد خ. أن لا حل نهائياً إلا بحل جمعية محمد الأمين ، وقال للرئيس الشهيد " إذا أردت فعلاً بناء مسجد محمد الأمين ، فلا بد يا دولة الرئيس من حل الجمعية " . وبالفعل ففي 31/8/2002 صدر المرسوم (8572) بحل الجمعية .

 وقد تمت برعاية سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني عملية التسليم والتسلم بين المديرية العامة للأوقاف الإسلامية ممثلة بالمدير العام للأوقاف المهندس عاصم سنو ، و " جمعية محمد الأمين " ممثلة برئيسها الحاج محمد خالد حسونة ، والمنحلّة بناء على المرسوم رقم (8572) تاريخ 31/8/2002 ، وقد تسلمت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية الدفاتر والسجلات المحاسبية من جمعية محمد الأمين لتصبح في عهدتها وإشرافها .

 وكانت المشكلة الكبرى استكمال شراء الأراضي المحيطة بالعقارات المشتراة ، ومن ثم بناء المسجد الجامع ، فأصدر صاحب السماحة مفتي الجمهورية الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني حفظه الله قراراً بإنشاء " هيئة أمناء مشروع مسجد محمد الأمين " تتألف من مجموعة من الأخوة الأفاضل برئاسة الأخ المهندس الأستاذ أحمد مختار خالد وكنت نائباً للرئيس بينما كان الحاج رياض الحلبي أميناً للسر ، وذلك لجمع التبرعات من أهل الخير . وكان بعض أعضاء هيئة أمناء مسجد محمد الأمين يعقدون اجتماعاً في منزل صاحب السماحـة مفتي الجمهورية اللبنانية ، وهو الصادق المؤمن بربه كان يتساءل : من أين لنا أن نجمع عشرة ملايين دولار أميركي أو خمسة عشر مليون دولار ؟ أو حتى مئات الآلاف من الدولارات . فإذا برجل الخير والعطاء الحاج عدنان عماش يسارع فوراً بالتبرع بمبلغ مئة ألف دولار أميركي لبناء المسجد الجامع . حينذاك تأثر سماحته تأثراً بالغـاً مع الأخوة الأعضـاء وقـال بأعلى صوته : " الله أكبر ، بني المسجد ، فطالما يوجد بين المسلمين أمثال الحاج عدنان عماش ، فإن الأمل كبير بالله عز وجل ببناء المسجد " .

 وبعد اجتماعات متعددة بين صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية والأمير الوليد بن طلال سواء في المملكة العربية السعودية أو في بيروت ، فقد تبرع سموه بمبلغ سخي قدر بمبلغ مليوني دولار أميركي لاستكمال شراء العقارات الخاصة بمشروع بناء المسجد ، لاسيما العقار (1488) مرفأ ، الذي اشترته المديرية العامة للأوقاف الإسلامية من شركة سوليدير .

 ولكن كيف يمكن جمـع أكثر من خمسة عشر مليون دولار أميركي الكلفة الأولية المقدرة آنذاك ؟ لذلك نشطت هيئة أمناء مسجد محمد الأمين على أكثر من صعيد إلى أن قدر لنا الاجتماع مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقد أعلن أمام الجميع من أن بناء جامع محمد الأمين سيكون على نفقته الخاصة مهما كانت التكاليف . وقد هلل وكبّر جميع الحضور فرحين وفي مقدمتهم الأخ الحاج منير فتح الله ، وقد أبلغنا فوراً صاحب السماحة بالخبر البشرى ، فدعا سماحته خيراً للرئيس الشهيد . وبالفعل ففي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الجمعة 7 شعبان 1424هـ - 3 تشرين الأول 2003م وضع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصاحب السماحة مفتي الجمهورية الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني حجر الأساس بحضور العلماء وسفراء مصر والسعودية والسودان وليبيا ودولة الإمارات العربية والوزراء والنواب من مختلف الطوائف الإسلامية والمسيحية في مقدمتهم الرئيس سليم الحـص ، والرئيـس فؤاد السنيورة ( وزير المالية آنذاك ) والسيدة بهية الحريري ، ورئيس وأعضاء هيئة أمناء مسجد محمد الأميـن ووجوه المجتمـع البيروتي واللبنانـي . بدايـة تلاوة من القرآن الكريـم للشيخ صلاح يموت ، ثم رفع الحاج منير فتح الله الأذان معبراً عن فرحة المسلمين ، وعن رفع الأذان الأول في المسجد قبل إنجازه ، وفي الوقت نفسه قرعت أجراس الكنائس الملاصقة للموقع . ثم كلمة لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني ، تحدث فيها عن المراحل التي أدت إلى هذا الإنجاز التاريخي الكبير ، وتوجه بالشكر إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري . ثم تحدث الرئيس الشهيد رفيق الحريري مؤكداً على أهمية بناء جامع محمد الأمين في وسط العاصمة . وفي الساعة 50,9 صباحاً وضع دولتـه وسماحته " الصبة الأولى " إيذاناً بيد العمل .

 إن مسجد محمد الأمين (r) وقد شارف على الانتهاء هو أكبر صرح إسلامي في لبنان ، فقد بني على عقارات امتدت على مساحة (4110) م2 ، أما عدد المآذن فهي أربع مآذن بارتفاع 75 متراً من الباطون يضاف إليه عدة أمتار من النحاس ، ويستوعب المسجد حوالي (6500) مصلٍ ما بين الطابق الأرضي وطابق الميزانين والطابق السفلي وهو يضم قاعة محاضرات ومكتبة إسلامية وعلمية ، وبذلك يمكن أن يطلق عليه " المسجد الجامع " وهو بالتأكيد يستوعب أكثر من الجامع العمري الكبير وبقيـة المساجد البيروتية .

 وللمسجد عدة أبواب رئيسية من : المدخل الشرقي ، والمدخل الشمالي ، والمدخل الغربي الخاص بالنساء . ويلاحظ بأن المسجد يشبـه إلى حد كبير جامع محمد علي باشـا في القاهرة كما أراده صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية وكما أراده الرئيس الشهيد ، كما يتميز بانتشار الآيات القرآنية على جدران المسجد من الداخل والخارج . وكان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد أوصى للمسجد بثريات ضخمة كلفت ملايين الدولارات ، فضلاً عن السجاد العجمي الفاخر وكل ما استخدم في المسجد هو من الطراز الحضاري ، ومن المستوى الممتاز المتقدم ، كما أراد ذلك الرئيس الشهيد رفيق الحريري . أما الأحجار الصخرية الخارجية فقد طلبها خصيصاً من المملكة العربية السعودية . ويزدان المسجد بـ (87) لوحة فنية من الزجاج المعشق التي أنجزها الفنان البيروتي العريق عاطف طيارة .

 إن من يطلع على المسجد من الداخل والخارج ، في هندسته ونظامه المعماري ، وفي ألوانه وفي أثاثه وثرياته يدرك أن هذا المعلم الحضاري إنما وراءه إنسان حضاري ، فلم يعودنا الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلا على كل إنجاز حضاري متميز . ولشدة حبه والتصاقه بمسجد محمد الأمين (r) كان يزوره يومياً للاطلاع على ما تم إنجازه . لم يدرك الراحل الكبير أن المسجد سينجز ويفتتح في غيابه ، ولم يدرك أبو بهاء بأن المسجد الذي أحب ورعى سيكون مثواه . إن أرض المسجد الطاهرة حضنت الجسد الطاهر للرئيس الشهيد رفيق الحريري ، وباتت بيروت المحروسة والمسجد الجامع والرئيس الشهيد يشكلون الأقانيم الثلاثة الطاهرة : مدينة وجامعاً وجسداً . رحمك الله يا أبا بهاء . لقد بات مكان ضريحك مزاراً وطنياً وقومياً جامعاً ، مؤكداً على وحدة لبنان وسيادته وحريته واستقلاله ، ومؤكداً على مبدأ العيش المشترك بين جميع اللبنانيين .

* نائب رئيس هيئة أمناء مسجد محمد الأمين (r) ( 2001 – 2003 ).

أعلى الصفحة