حذارِ الانقلاب على الوطن !

 

 

النهار 07/04/2005

 

جبران تويني


لا يمكن ان نصدّق ان فريق عين التينة، وعلى رأسه الرئيس نبيه بري، يمكن ان يقنع الرئيس عمر كرامي الذي كان اعتذر امام رئيس الجمهورية عن تأليف الحكومة، بأن يتراجع عن اعتذاره ليوافق بسحر ساحر على ان يؤلف الحكومة الجديدة.

كذلك لا يمكننا ان نصدق ان الرئيس بري، ومعه الرئيس كرامي وكل جماعة عين التينة، اتخذوا وحدهم قرار الانقلاب على قانون الانتخاب التوافقي الذي كانت الحكومة الكرامية المستقيلة ارسلته الى مجلس النواب لاقراره، وسحبه لابداله بمشروع قانون استفزازي لا علاقة له بالطائف ويستحيل تطبيقه منطقياً.

كما اننا لا نصدق ان بعض الذين كانوا قرروا الا يحضروا اجتماع عين التينة الاخير، تراجعوا عن قرارهم انطلاقا من اقتناع ذاتي.

مما يعني ان السلطة لا تزال تتحرك بايحاء سوري، كي لا نقول باوامر سورية!

فقرار الانقلاب على الاتفاق الذي حصل بين سيد بكركي والرئيس لحود، ووافق عليه يومها الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيسان بري وكرامي و"حزب الله" وكل اللبنانيين ونعني به قانون الانتخاب التوافقي الذي يعتمد القضاء ان قرار الانقلاب هذا قرار سوري هدفه نسف الاستحقاق الانتخابي والتمديد للمجلس الحالي الخاضع باكثريته للوصاية السورية، والرهان على عامل الوقت كالعادة في انتظار تغييرات اقليمية أو دولية.

وثمة من يفسر ذلك بأنه محاولة سوريّة لتعويض انسحابها من لبنان من خلال بقائها فيه سياسيا عبر سلطة اشتراعية ممدد لها وخاضعة لدمشق.

والاوامر السورية قد صدرت ايضاً للرئيس كرامي كي يتراجع عن اعتذاره، ولبعض اعضاء عين التينة ليحضروا الاجتماع بعدما كانوا اعلنوا اعتذارهم عن الحضور!

ان ما حصل خلال الاسبوع الماضي هو خير دليل على ان النظام السوري لا يزال متمسكاً بالورقة اللبنانية، ويحاول بشتى الطرق نسف الاستقرار سياسيا وامنيا بهدف نسف تطبيق القرار 1559.

فالنظام السوري الذي يحاول مهادنة المجتمع الدولي واظهار نفسه مظهر المتعاون الايجابي معه، معلناً اكثر من مرة وعلى لسان الرئيس الأسد انه مع القرار 1559، يطلب كالعادة من جماعته في لبنان القيام بدور سلبي وتخريبي!

فماذا تغيّر يا دولة الرئيس نبيه بري ودولة الرئيس عمر كرامي منذ شهر الى اليوم، لتنسفوا مشروع قانون الانتخاب؟

فهل تغيّرت الظروف التي ادت الى ولادة القانون التوافقي؟ ام تغيرت الاسباب الموجبة التي تمحورت كلها على عدم تنفيذ الحكم اللبناني، منذ التسعينات الى اليوم، اتفاق الطائف مما استوجب اعتماد قانون الانتخاب السابق؟

وهل نسيت جماعة عين التينة ان الطائف نصّ على اعتماد المحافظة بعد اعادة النظر في التقسيم الاداري وان هذا الامر لم يحصل؟ كما ان الطائف لم ينص على اعتماد النسبية؟

اما المضحك المبكي في ما نشهد، فهو غيرة جماعة عين التينة على الوحدة الوطنية.

فهل نَسْفُ قانون توافقي، يصب في خانة الوحدة؟ وهل الانقلاب على اتفاق بين بكركي وبعبدا وقريطم وساحة النجمة والرملة البيضاء يصب في خانة الحفاظ على الوحدة؟

وهل نسف اتفاق او وعد رئاسي يصب في خانة الوحدة؟

وكيف يقبل الرئيس لحود، حليف سوريا الاول وحليف عين التينة الاول، ان ترمى وعوده وقراراته في سلة مهملات عين التينة؟

وكيف يبرر الرئيس كرامي تراجعه عن مشروع قانون تقدمت به حكومته السابقة، وبهذه السرعة؟

وحبذا لو يعي سياسيو عين التينة الواقع الجديد ويتصرفون كأسياد واحرار، ولا يستمرون  في تنفيذ مشاريع جهنمية هدفها الوحيد ضرب لبنان واستقراره ووحدته! لَيْتَهم يعون ان سوريا ستنسحب كلياً مع مخابراتها ومع من كان يصدر أوامره، وليتهم يعون ان لبنان عائد الى اللبنانيين في 30 نيسان، ليتهم يفرحون كما يفرح كل لبناني اصيل بهويته اللبنانية.

ويا ليت سوريا تعي هي ايضا هذا الواقع الجديد وتفهم ان محاولاتها نسف الاستحقاق النيابي وضرب الاستقرار السياسي والامني، ستساهم في تصعيد حملة المجتمع الدولي، ولاسيما مجلس الامن، على النظام السوري. وهل هذا هو المطلوب؟ ام المطلوب ان تصحح سوريا صورتها ووضعها الدوليين؟

ففي هذا الظرف المصيري والدقيق من تاريخ لبنان وسوريا، نحن في حاجة الى عقلاء لا الى من يصب الزيت على النار، ويضع العصي في الدواليب!

فسوريا ستنسحب من لبنان عسكرياً ومخابراتياً، ولا عودة الى الوراء، كما لا تراجع دوليا او حتى لبنانيا في هذا الشأن، لأن من حق لبنان ان يسترجع سيادته واستقلاله وحريته. اما ضرب الاستقرار فلن يفيد سوريا لأن الواقع اللبناني مختلف عن الواقع العراقي، واي "خربطة" لن تخدم سوريا على مستوى فتح صفحة جديدة بينها وبين لبنان. كما لن تخدم خصوصا حلفاء سوريا في لبنان الذين لا يزالون ينفذون اوامر دمشق لأن الشعب اللبناني الواحد، بمسلميه ومسيحييه، لن يرحم من سيحاول نسف وحدته واستقراره وحريته. بل سيحاكم ويحاسب كل من سيتآمر على تلك الوحدة التي تجلت يوم 14 آذار، وعلى حلم تحرير لبنان وتحرير القرار اللبناني!

فيا ليت سوريا تعي هذا الواقع، ويا ليت اهل عين التينة يعون ايضا هذا الواقع ويقنعون سوريا، خدمة لها ولهم، وللبنان، بان لا عودة الى الوراء،و بأن المطلوب ليس العودة الى الخطأ، بل العودة عن الخطيئة من خلال تصحيح الخلل الذي ساد الموقف في الداخل ومع الخارج طوال سني الحرب، ومن بعدها في عهد الطائف الذي لم ينفذ.

ان اللبنانيين قد اتفقوا على ان الطائف الذي اصبح دستوراً لهم، هو السقف وانهم متفقون على ان وحدتهم هي قوتهم وحصانتهم، وان لبلدهم دوراً رئيسياً، بل رسالة مميزة في هذا الشرق.

والمجتمع الدولي يدرك هو ايضا اهمية الدور والرسالة اللبنانيين في هذه المنطقة من العالم، لذلك فان اي عرقلة لهذا المسار انما تخدم اعداء لبنان.

ان الكرة هي اليوم، مرة اخرى، في ملعب السلطة اللبنانية وفي الملعب السوري كذلك، واي خطيئة ترتكبها السلطتان اللبنانية والسورية تُضم الى ملفيهما الطافحين بالاخطاء والخطايا. وكلنا امل في ان تحصل الانتخابات في موعدها وعلى اساس القانون التوافقي، فتنفتح معها صفحة جديدة عنوانها الثقة والازدهار والتطور والتعاون الى جانب السيادة والحرية والاستقلال.

 عودة لصفحة جبران تويني

 

عودة لصفحة السلطة الرابعة

//-->