|
رفيق الحريري ثوابت أوزاعية

النهار
27/03/2005
* د.حسان حلاق
تميز الرئيس الشهيد رفيق الحريري (1944 2005) منذ أن كان فتى يافعاً حتى
استشهاده في 14 شباط الأسود، بثوابت وقيم ومثل عليا أوزاعية على الصعد
السياسية والاجتماعية والوطنية والقومية والإنسانية، ارتبطت به وبمسيرته،
سواء عندما كان طالباً في جامعة بيروت العربية أو مقيماً في المملكة
العربية السعودية أو بعد توليـه مسؤولية الحكـم والنيابـة (1992 2005). ومن
خلال علاقتنا مع الرجل الظاهرة والتصاقنا به في اجتماعـات مستمرة طوال
السنوات الماضيـة تبيـن أن الشهيد لـم يتخلََّ عن تلك الثوابت الحريرية
الأوزاعية ، ولهذا فهي قيم ومثل وثوابت عديدة لا يمكن حصرها، نذكر منها على
سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
-1 تمسك الرئيس الشهيد باتفاق الطائف، لأن هذا الاتفاق يمثل ضمانة لاستمرار
الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان، ولأنه أكد على هوية
لبنان العربية، ولأنه أصبح الركن التاريخي والثقافي والقانوني الأساسي في
الدستور اللبناني.
-2 تمسكه باستقلال لبنان ووحدته أرضاً وشعباً ومؤسسات، لأن استقلال لبنان
ووجدته يمثلان استقراراً لشعبه، وللشعوب العربية، ولأن هذا الاستقلال وهذه
الوحدة تمثلان قوة للبنان وللعرب في وجه إسرائيل والقوى التقسيمية.
-3 تمسكه بدعم القضية الفلسطينية واستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني
ورفض توطين الفلسطينيين في لبنان، لأن رفض التوطين هو العامل الأساسي في
إنشاء الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، وكم تمنى الشهيد منذ أن كان
فتى يافعاً الاستشهاد في سبيل تحرير فلسطين.
-4 رفضه الصلح مع إسرائيل، ورفض عقد أية معاهدة أو اتفاق معها، على غرار
اتفاق 17 أيار الذي أعلن الرئيس الشهيد مراراً رفضه له منذ عام 1983، بل هو
الذي سعى بقوة لإلغائه.
-5 رفضه تقسيم لبنان انطلاقاً من رفض التوطين، وانطلاقاً من رفض التيارات
الانفصالية والانعزالية، ورفض إقامة الدويلات الطائفية والمذهبية، لأن قيمة
لبنان بوحدته ووحدة شعبه.
-6 كرّس العلاقة الاستراتيجية مع سوريا، انطلاقاً من العوامل الوطنية
والقومية والجغرافية، والتاريخ العربي المشترك، فضلاً عن ثوابت الرئيس
الشهيد بعلاقات مميزة مع مصر والسعودية.
-7 دعمه المقاومة الإسلامية والوطنية وفي مقدمها حزب الله لأن المقاومة
بنظر الرئيـس الشهيـد هي شرف لبنان وضمانة لوحدته ووحدة أراضيه، وضمانة
لحرية شعبه، ومن ثوابت الرئيس الشهيد التمسك بسلاح المقاومة، والعمل بكل
السبل لعدم نزع سلاح حزب الله لأن هذا السلاح يمثل أهمية بالنسبة للبنان
طالما أن الأراضي اللبنانية والعربية محتلة لاسيما مزارع شبعا والجولان
الذي كان الرئيس الشهيد يطالب باستمرار بتحريرها. العمل بكل فاعلية لعدم
إدراج حزب الله على لائحة الإرهاب، لأن الرئيس الشهيد كان مؤمناً مع سواه
بأن حزب الله ليس حزباً إرهابياً، إنما حزب مناضل مجاهد لم يتورط بأعمال
إرهابية. ولهذا جال العالم وتوصل إلى تفاهم نيسان عام 1996 الذي نص على
شرعية عمل المقاومة.
-8 عدم القفز فوق الثوابت الإسلامية والوطنية والقومية التي آمن بها الرئيس
الشهيد، وقد أشار قبل استشهاده إلى هذه الثوابت مراراً لاسيما في إطار عدم
تعاونه مع القوى السياسية اللبنانية غير المؤمنة بتلك الثوابت، كما آمن
بثوابت العمل بكل السبل الآيلة للقضاء على الطائفية والمذهبية والمناطقية.
-9 رفض التطرف والمتطرفين ورفض المغالاة والمغالين وآمن إيماناً مطلقاً
بثوابت الاعتدال والوسطية والحوار، كما هي العقيدة والمفاهيم الإسلامية،
لهذا كان خطابه السياسي خطاباً معتدلاً وسطياً.
-10 التمسك بالسلم الأهلي ورفض العودة إلى الحرب الأهلية في لبنان لأن
الحرب أصبحت وراءنا ولا عودة للوراء ، ولأن الحرب هي أداة التدمير، بينما
السلم وسيلة للتقدم والإنماء.
-11 التأكيد على أهمية العيش المشترك بين اللبنانيين، ولا فضل للبناني على
آخـر إلا بمقدار ما يقدمه للبنان. وكان يرى رحمه الله أن الصيغة اللبنانية
صيغة حضارية مناقضة لعنصرية إسرائيل.
-12 التمسك بالوحدة الإسلامية انطلاقاً من أهمية الوحدة الوطنية لأن تماسك
المسلمين ووحدتهم وتماسك المسيحيين ووحدتهم تؤدي إلى تماسك ووحدة
اللبنانيين، في إطار أهداف مشتركة واحدة.
-13 التمسك بالثوابت البيروتية : رئاسة الوزراء كائناً من كان على رأسها،
دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، جمعية المقاصد، دار الأيتام
الإسلاميـة، جامعـة بيروت العربية ( وهو أحد متخرجيها ) وبقية المؤسسات
البيروتية الفاعلة.
-14 الحرص كل الحرص على الجمعيات والروابط والأندية الرياضية البيروتية وفي
مقدمها تجمع بيروت الذي تأسس عام 1993 واتحاد جمعيات العائلات البيروتية
الذي تأسس عام 1997، حيث تأسسا تحت رعاية الرئيس الشهيد وبدعمه، لإيمانه
العميق بأهمية أداء الأسرة البيروتية لرسالتها الرسولية في توطيد أواصر
القربى والتواصل العائلي والاجتماعي.
-15 التمسك بأهداب الدين الإسلامي والأديان السموية الأخرى، واحترام
المرجعيات الدينية الروحية وتقديمها، باعتبارها ضمانة وصمام أمان
للبنانيين، لأن لبنان يؤمن برسالة الأديـان التي يتشكل منها النسيج الروحي
لوطننا لبنان كما كان يقول الرئيس الشهيد.
-16 إيمانه بأن بيروت المحروسة فوق كل اعتبار، ليس من منطلقات مناطقية أو
طائفية، وإنما لأن بيروت عاصمة الوطن، تمثل كل الوطن، وكل مناطق الوطن، لذا
فإن الاهتمام ببيروت وأبنائها يسبق كل الاهتمامات، فالاهتمام بها هو اهتمام
بكل لبنان، فهي ضمير لبنان ورمز حاضره ومستقبله.
-17 آمن الرئيس الشهيد بأن بيروت المحروسة مدينة عريقة للمستقبل لذلك اهتم
بإعادة إعمارها وإنمائها، بما تمثل من قلب الوطن ونبض الدولة، وإن إحياء
القلب هو إحياء لجميع الجسد. وبالفعل فإن هذا الإعمار كان المقدمة الأساسية
لإعمار لبنان ونهضته.
-18 من ثوابت الرئيس الشهيد دعم مطلق لمجلس بلدية بيروت، باعتباره الحكومة
المصغرة لبيروت، وباعتباره المسؤول مباشرة عن التنمية في بيروت في مختلف
ميادينها ومضامينها. لهذا فإن موضوع صلاحيات المجلس البلدي كان في مقدم
المشكلات العالقة في الدولة اللبنانية.
-19 الإيمان بالديموقراطية والحرية، لأن الرئيس الشهيد كان يرى باستمرار أن
لبنان لا يمكن أن يعيش مطلقاً بدون ديموقراطية أو حرية، لذا كان يحب الحرية
والأحرار، ويكره القيد والقيود والعبودية والاستعمار.
-20 تمسك الرئيس الشهيد بحرية الاعلام وفي مقدمه الصحافة اللبنانية، لأن
الاعلام هو مرآة المجتمع وانعكاس لأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والتربوية، وبواسطة حريته يمكن الاستفادة من آراء الإعلاميين.
-21 الإيمان بالشباب اللبناني، لأنه يمثل مستقبل لبنان، بما يحمل من آلام
وآمال وأحلام، لهذا لم يتوانَ الرئيس الشهيد مطلقاً على دعم الشباب
اللبناني وإفساح الفرص له في مختلف المجالات.
-22 إيمان الرئيس الشهيد بأن العلم هو المقدمة الأساسية لنهضة الأوطان
والأمم والشعوب، لهذا كان اهتمامه الأول إرسال البعثات العلمية إلى
الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والعالم العربي، ليتولى هؤلاء العلماء
مسؤولية نهضة حاضر لبنان والأمة العربية ومستقبلهما. ولعل قلة من
اللبنانيين يدركون بأن الرئيس الشهيد كان حريصاً باستمرار على الاجتماع
بالعلماء والمفكرين في ندوات ولقاءات علمية في قصر قريطم.
-23 من ثوابت الرئيس الشهيد رفض الحسد والحاسدين، والحقد والحاقدين وكرههم،
لقد كان رجلاً طيباً مؤمناً بأن الله عز وجل سيرزق كل إنسان حسب نيته، وان
الأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى ، لهذا رزقه الله بما يستحق من نعيم
وأموال لم يبخل بها على المحتاجين سواء في لبنان أو في خارجه.
-24 كان الرئيس الشهيد يتميز بالتواضع والتفاؤل والبسمة والضحكـة اللافتـة
التي تجسد في طياتها الطيبة و الكاريزما التي كان يتميز بها عن سواه. وكان
يكره المتكبرين والمتشائمين والعابسين والمعقدين.
-25 آمن الرجل الظاهرة بحديث الرسول محمد (ص): من فرّج كربة مؤمن في الدنيا
فرّج الله كربته يوم القيامة . لهذا لم يتأخر مطلقاً عن حاجات الناس
الاجتماعية والاقتصادية والخيرية والإنسانية والمالية، وقد لبى المواطن
اللبناني وحل مشاكله دون تمييز طائفي أو مذهبي أو مناطقي. وأشهد بأن ما من
مرة قصدته من أجل أبناء بيروت عامة ومنطقة الطريق الجديدة خاصة في أمور
اجتماعية أو إنسانية أو خيرية إلا ولبى وباهتمام لافت رحمه الله .
-26 من ثوابت الرئيس الشهيد الوفاء والإخلاص لأصدقائه القدامى والجدد وعدم
التفريط بهم، فما من صديق قديم أو جديد إلا وكان وفياً مخلصاً له، آزره
ووقف إلى جانبه في جميع الحالات والمشكلات، والرعيل القديم بل الرعيل
الجديد شاهد حي على هذا الوفاء والإخلاص.
-27 من ثوابت الرئيس الشهيد إقامة المؤسسات، لأنها تبقى هي الأطر الثابتة
لخدمة المواطن والوطن، لهذا أقام مؤسسة الحريري و جمعية بيروت للتنمية و
تيار المستقبل ، فضلاً عن مؤسسات أخرى اقتصادية ومالية واجتماعية، ساهمت
جميعها ولا تزال في التقديمات الاجتماعية والمالية والتربوية والصحية
والخيرية وفي الوقت نفسه دعم المؤسسات القائمة، وعمل على دعم إقامة مؤسسات
جديدة، وفي مقدمها مجمع نازك الحريري التابع لدار الأيتام الإسلامية في
عرمون والذي بلغت كلفته حوالى سبعة ملايين دولار أميركي.
-28 آمن الرئيس الشهيد بأهمية العمل، وبالحرص على المثابرة للوصول إلى
الغاية المتوخاة، ولو كان رجلاً متقاعساً متواكلاً، لما أصبح ناجحاً من
الطراز الأول في العالم. فالتقاعس والملل والإتكالية مصطلحات غير موجودة في
القاموس الحريري، لذا فإن من ثوابته ومميزاته العصامية والطموح.
-29 من خلال اجتماعات الرئيس الشهيد مع هيئة أمناء مسجد محمد الأمين (ص)
وكنت آنذاك نائباً لرئيس الهيئة - أكد لنا في أكثر من لقاء أن من ثوابته
التي لن يتزحزح عنها هي بناء مسجد محمد الأمين (ص) وعمل كل ما يلزم لتحقيق
هذه الأمنية وهذا الحلم البيروتي والإسلامي. وقد حقق رحمه الله الأمنية
والحلم لأبناء بيروت قبل استشهاده.
-30 كان الرئيس الشهيد إبناً وزوجاً وأباً وجداً وشقيقاً من الطراز الأول،
فاحترامه ومحبته وتقديره للسيدة والدته وللسيد والده لا يضاهيه احترام
ومحبة وتقدير، واحترامه وحبه وتقديره للسيدة نازك لا يوازيه احترام وحب
وتقدير، وحبه المفعم لأولاده وأحفاده لافت للنظر لا يماثله حب، وحبه
وتقديره لشقيقته السيدة بهية ولشقيقه السيد شفيق لا يماثله حب وتقدير، كان
رحمه الله يقول : أعطني أسرة متماسكة متحابة، أعطيك وطناً متماسكاً متحاباً
.
لقد كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله واسكنه فسيح جناته أوزاعياً
من الدرجة الأولى في أعماله وأقواله وأفعاله. وكان متمسكاً بأقوال الإمام
الأوزاعي (رضي الله عنه ) يكررها باستمرار على مسامعنا منها :
- الناس عندنا أهل العلم.
- العمل أن تعمل عملاً لا تريد أن يحمدك الناس عليه.
- إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل.
مما يؤكد ثوابت الرئيس الشهيد بأهمية العلم والعلماء، وأهمية العمل،
وتأكيده أن ما قام به من أعمال إنما لوجه الله تعالى لا يريد جزاء أو
شكوراً عليها، كما تؤكد هذه الأقوال الأوزاعية، أن الشهيد كان مؤمناً
بالعمل وقلة الجدل، لأن كثرة الجدل إنما هي في ذاتها شر مستطير على الأمة.
فنم قرير العين يا دولة الرئيس الشهيد، فهاهم الملايين اللبنانيون الأوفياء
أثبتوا يوم 14 آذار 2005 أنهم باقون أوفياء على العهد متمسكون بالقيم
والثوابت التي آمنت بها واستشهدت من أجلها، وقد عبّرت السيدة الأصيلة بهية
الحريري شقيقة الشهيد الأصيل في خطابها في يوم الوفاء خير تعبير عن قيم
الرئيس الشهيد ومثله وثوابته.
إن قيم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومثله وثوابته الأوزاعية أكثر من أن
تحصى، وهي لا تحتاج إلى بحث أو مقالة، إنما هي تحتاج إلى موسوعة أوزاعية
حريرية.
رحمك الله يا أبا بهاء.
*
أستاذ جامعي ومؤرخ، رئيس جمعية متخرجي جامعة بيروت العربية، عضو المجلس
الأعلى لجامعة بيروت العربية ..
عودة
لصفحة الدكتور حسّان حلاق
عودة لصفحة السلطة
الرابعة
|