|
ما هي أبعاد وتفسيرات رؤية البيارتة
للرئيس الشهيد في أحلامهم ورؤياهم؟

مجلة الشراع العدد 11/نيسان/2005
بقلم: د. حسان
حلاق
إن علماء بلاد ما بين النهرين والفرس والفراعنة واليونان والرومان والعرب
اهتموا اهتماماً بالغاً بالأحلام وتفسيرها سواء أحلام الليل أو النهار، كما
اهتم بهذه الظاهرة الأنبياء والرسل عند جميع الأديان. وأشار العلماء بأن
رؤى الرجال والنساء والصغار تصح، لأن سيدنا يوسف عليه السلام رأى رؤية وهو
في السابعة من عمره. فقد قال لوالده ((إذ قال يوسف لأبيه يأبتِ إني رأيت
أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص
رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين))
(سورة
يوسف الآيتين 4-5).
بالإضافة إلى ان هذه الرؤية أكدت على ان الله عز وجل سيختار سيدنا يوسف
نبياً ورسولاً لأمته. وجاء في القرآن الكريم ((يا أيها الملأ افتوني في
رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون)) (سورة
يوسف الآية
43).
وبالفعل فقد علّم الله عز وجل سيدنا يوسف تأويل الأحاديث وتفسير الرؤى.
وقال الرسول محمد (صلى
الله عليه وسلّم):
إن الرؤية من الله والحلم من الشيطان، وصنف هذه الظاهرة بثلاثة أنواع:
الرؤية الصحيحة، وأضغاث الأحلام، وأحلام ما تحدثه النفس.
وقال الرسول محمد (صلى
الله عليه وسلّم):
((من لم يؤمن بالرؤية الصالحة، لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر)). وقيل بأن
الرسول لم يكن يرى رؤية إلا جاءت مثل ((فلق الصبح)) وقال الرسول مرة لأبي
بكر: ((رأيت كأنما تبعني غنم سود وتبعتها غنم بيض)) فقال أبو بكر (رضي الله
عنه): ((تتبعك العرب، وتتبع العرب العجم)). وقد أشار العلامة الشيخ عبد
الغني النابلسي في كتابه ((تعطير الأنام في تعبير المنام)) إلى الكثير من
الرؤى والأحلام وأضغاث الأحلام.
وكان الأئمة والصالحون والفقهاء وأهل البر والتقوى يرون الكثير من الرؤى،
ومن بين هؤلاء الإمام الأوزاعي (رضي الله عنه) إمام بيروت والشام والمغرب
والأندلس الذي أفتى في سبعين ألف مسألة. وقد رأى مرة الرسول محمد (صلى
الله عليه وسلّم)
في رؤياه بأنه التقى معه في الجنة مع صالحين آخرين يعملون على تثبيت
أبوابها. كما أن رجلاً صالحاً أتى سفيان الثوري وقال له: ((يا أبا عبد الله
إني رأيت في المنام كأن ريحانة قلعت من الشام)) فقال له سفيان: ((إن صدقت
رؤياك فقد مات الأوزاعي)) وبعد فترة جاء رجل إلى سفيان فقال: ((أعظم الله
أجرك في أخيك الأوزاعي فقد مات)). وقد تكررت عبر التاريخ الرؤى وما تزال
حتى اليوم بمظاهرها وموضوعاتها وتفاصيلها المتنوعة. وقد اهتم علماء النفس
المحدثين في الغرب وفي عدة بحوث ودراسات بأبعاد وأسباب الأحلام عند مختلف
طبقات المجتمع.
أما فيما يختص بدولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري (1944
2005)
رحمه الله
فقد عرف عنه العصامية والنضال والوطنية والقومية، آمن بإسلامه وعروبته
ولبنانه، وكان معتدلاً وسطياً في طروحاته وأفكاره وكان صادقاً ومحباً
ومتواضعاً ومتسامحاً مؤمناً بالعدل والمساواة، وقد عرفه جميع الأصدقاء
والزملاء في جامعة بيروت العربية وخارجها بأنه كان ناصرياً لا يؤمن
بالطائفية والمذهبية والإقليمية والمناطقية. وكان عاملاً في سبيل أعمال
الخير والعطاء والبر والإحسان، وكان معطاء في الميادين الاجتماعية
والاقتصادية والصحية والتربوية والإنسانية والخيرية وفي بناء المساجد
والكنائس والحسينيات والخلوات والمؤسسات الدينية. وقد أنشأ ((وقفاً خيرياً
عاماً)) عرف باسم ((وقف رفيق الحريري الخيري)) للصرف على وجوه الخير والبذل
والعطاء. وكان حريصاً باستمرار على الاتصال بأولاده في الخارج وبمدراء
شركاته للاطمئنان فيما إذا تم تأدية الزكاة فضلاً عن الصدقات. وكان يغضب
إذا ما تم تأخير في أداء هذه الأركان والواجبات.
وكان الرئيس الشهيد مؤمناً بحديث الرسول (صلى
الله عليه وسلّم)
القائل: ((من فرّج كربة مؤمن في الدنيا فرّج الله كربته في
الآخرة)). لهذا لم يتوان مطلقاً عن مساعدة جميع الناس دون تمييز في
طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم، بما فيه أعداء خطه السياسي.
وكما أن الإمام الأوزاعي وسواه رأوا الرسول محمد (صلى
الله عليه وسلّم)
في رؤى متعددة، فإن الرئيس الشهيد رأى مرة في رؤية الرسول محمد (صلى
الله عليه وسلّم)
يلبس لباساً أبيض، وقد وضع يده الشريفة على رأس الرئيس الشهيد راضياً عليه.
وكان الرئيس الشهيد
رحمه الله
رفض إعلان هذه الرؤية من على شاشة التلفزيون حينما سأله عن ذلك أحد
المذيعين، غير أنه ذكرها لي في اجتماع خاص مع بعض الأصدقاء، مؤكداً أنه لم
يذكر الرؤية من على شاشات التلفزة لئلا يظن البعض أنها إدعاء أو وراءها
غايات سياسية.
وكما أحب المسلمون والمسيحيون على السواء الإمام الأوزاعي من جراء أعماله
وأقواله ومبادراته، وكما أن الناس قبيل وفاته رأوه في الأحلام والمنامات
والرؤى بأنه قد تعرض لخطر او وفاة، وهكذا الشهيد الرئيس، حيث تداول الكثير
من البيارتة واللبنانيين من مختلف مناطقهم وطوائفهم، بأنهم رأوا في عدة رؤى
اخطاراً محدقة بالشهيد الرئيس من بينها:
1- ان احدهم رأى رؤية وقد قامت طائرات حربية اسرائيلية تطلق صواريخها على
ركب الرئيس رفيق الحريري وصحبه، وقد اتكأ على احد اصدقائه بعد ان خلع حذاءه
القديم واستبدله بحذاء جديد.
2- رأى احدهم ان اعز ما يفتخر به البيارتة وهي صخرة الروشة قد اقتلعت من
مكانها وتحطمت.
3- رأى احدهم ان صنوبر بيروت في حرج بيروت قد تحطم وتهشم وهوى.
4- رأى احدهم ان سنديانة متجذرة في الارض قد اقتلعت.
وروى لي الحاج منير فتح الله
امام الجامع العمري الكبير وأحد اصدقاء الرئيس الحريري
بأن امرأة بيروتية مسلمة تقية مؤمنة رأت رؤية ولمدة ثلاث ليالٍ على
التوالي، بأن النبي محمد (صلى
الله عليه وسلّم)
بلباسه الابيض الناصع البياض ووجهه المضيء، رأته يحفر حفرة قرب جامع محمد
الامين (صلى
الله عليه وسلّم)
في باطن بيروت فسألته ماذا تفعل: فأجاب في الليلة الثالثة، بأنه يحفر روضة
من رياض الجنة للرئيس رفيق الحريري.
وحدثني السيد رياض الشيخة
احد اصدقاء الرئيس الحريري
بأن امرأة رأت رؤية خطرة عن الرئيس رفيق الحريري ولليال عديدة، وطلبت من
السيد رياض ان يجمعها بالرئيس الشهيد، وقد ابلغ بدوره الرئيس رغبة المرأة،
فما كان من الرئيس الا ان اصطحب السيد رياض الى منزل المرأة، واستمع منها
الى رؤيتها حول خطر محدق به كما اعلمته برؤية اخرى مفادها ان والدته السيدة
المصون
رحمها الله
تطلب منه الحذر والحيطة، وبعد عودة الرئيس والسيد رياض الى قصر قريطم اوضح
الرئيس ((ان الاعمار والحياة بيد الله عز وجل))، ثم امسك برقبته وقال ((ان
هذه لا يأخذها إلا الله عز وجل)).
كما روت لي السيدة ميسم درزي
مذيعة في اذعة الشرق
انها رأت في منامها قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، بأن مداً بحرياً ما
يشبه ((تسونامي)) قد اجتاح شاطىء بيروت ووصل الى قصر قريطم.
وكان كل من استمع الى هذه الرؤى يقول ((الله يلطف بعباده)) و((الله يلطف
بالرئيس رفيق الحريري)).
وروى لي ثانية الحاج منير فتح الله بأن امرأة بيروتية مسلمة تقية ومؤمنة،
رأت رؤية مفادها ان الرئيس رفيق الحريري زارها بعد استشهاده وطلب منها
زيارة شقيقته السيدة بهية الحريري، لاخبارها بأن الرئيس سعيد في الجنة،
ويطلب من شقيقته ان تكف عن الحزن والبكاء.
وروت السيدة احلام بدر ازمرلي بأن بعض البيارتة رأوا في عدة رؤى بأن الرئيس
الشهيد في جنات النعيم يأكل من فواكه الجنة، كما رأت السيدة ميسم درزي
بأنها رأت الرئيس الشهيد بعد وفاته يلبس لباساً ابيض، وقد وقع على هذا
اللباس ما يشبه السواد او القهوة، فعمدت الى تنظيفه حتى عاد نظيفاً، وقد
نشر على حبل الغسيل ناصع البياض، وقد فسر بعض المهتمين بالرؤى بأن
((الحقيقة)) حقيقة اغتياله ستنجلي وتنكشف بإذن الله.
ومن الامور النادرة التي حدثت في الآونة الاخيرة، اثناء زيارة اللبنانيين
والعرب والاجانب لضريح الرئيس الشهيد، ان احدى الفتيات المسلمات البيروتيات
المثقلة بالحزن والاسى، رأت وهي تقرأ الفاتحة عند الضريح، الرئيس الشهيد
ببسمته المعهودة، يقف بين جموع الزائرين امام ضريحه، وقد طلب والدها عدم
ذكر اسم ابنته، كما تمنى علينا عدم ذكر ((رؤية اليقظة)).
ورأت السيدة سامية ابراهيم، الرئيس الشهيد في السراي الكبير في صيدا بين
جموع حاشدة، والحمام الابيض يرفرف فوقه مبشراً بالسلام وبالاخبار السارة،
وقد سلم الرئيس على مستقبليه وحضن وقبّل البعض، ثم عاد ادراجه في موكب
مهيب، وبين الانوار والاضواء المشعة.
ماذا تعني رؤى وأحلام البيارتة واللبنانيين الرئيس الشهيد قبل استشهاده
وبعدها؟ لا شك بأن عشق البيارتة للرئيس الشهيد وتخوفهم على حياته نظراً لما
كان يمر به من محن ومخاطر وتهديدات، وما كان يمثل لهم من طموحات وأحلام
وآمال واطمئنان واستقرار ومرجعية سياسية واقتصادية واجتماعية وزعامة وطنية
وقومية قل مثيلها، وما كان يمثله من مستقبل واعد لهم ولأولادهم وأحفادهم،
كانت كلها عوامل وأسباب اساسية في الرؤى والاحلام التي رآها البيارتة في
احلامهم ورؤياهم.
عودة لصفحة
الدكتور حسان حلاق
عودة لصفحة السلطة
الرابعة
|