مجلة "الشراع"

رسائل من رئيس التحرير إلى...رستم غزالة الكردي الذي حكم لبنان

 

 لم يكن الأصل الكردي للشاب رستم غزالة حائلاً دون دخوله الجيش العربي السوري حتى يصل إلى أعلى مرتبة أمنية وعسكرية فاعلة في كل سوريا وهي رتبة الحاكم العسكري الأول للبنان، البلد الذي اعتبره النظام في دمشق جائزته الوحيدة خلال 30 سنة سلفت ولا يجاريه فيها فاعلية إلا رتبة رئيس الجمهورية العربية السورية حافظ ثم بشار الأسد بصفة الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة السورية.

 

فقد سبق غزالة من الأكراد السوريين من وصل منهم إلى أعلى المراتب السياسية والوطنية والقومية والفكرية والحزبية في سوريا، فكان ابراهيم هنانو الكردي قائداً للحركة الوطنية في كل سوريا ضد الاستعمار الفرنسي وكان خالد بكداش الكردي رئيساً للحزب الشيوعي في لبنان وسوريا معاً وكان يوسف العظمة الكردي قائداً لمعركة ميسلون الشهيرة التي استشهد فيها القائد السوري في مواجهة الاستعمار الفرنسي وكان عبد الرحمان الكواكبي الكردي صاحب أهم ما كتب تعبيراً عن استبداد الحكام تحت عنوان طبائع الاستبداد.. (لكأن الكواكبي وضع هذا الكتاب هدية لقرينه الكردي ونظامه كله).

 

كان نسيج المجتمع السوري يحتمل التنوع العرقي والإثني (بأغلبية عربية وإسلامية حاسمة) مثلما يحتمل التنوع السياسي والحزبي والثقافي، وما زالت سوريا منذ عهود الاقطاع والرأسمالية الناشئة والحياة الديموقراطية وعصر الوحدة العربية حتى بعد 42 سنة من حكم مستبد جاء مع تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في سوريا (والعراق حتى 2003) هي البلد العربي الوحيد الذي يدخلها العربي دون تأشيرة دخول، وما زال كل عربي قادراً على العمل فيها دون إذن مسبق والتملك دون قرار وزاري والاستثمار دون عقبات (نظرياً طبعاً) وكانت سوريا الديموقراطية سابقاً انتخبت اللبناني فارس الخوري رئيساً للوزراء، وقبلت اللبناني شوكت شقير رئيساً للأركان واللبناني عفيف البزري قائداً للجيش السوري..

 

ولم يكن الضابط الأمني رستم غزالة ليحلم أن يصبح المرجع السياسي والأمني والإداري والدبلوماسي والعسكري والاستثماري لكل من يريد قراراً في كل هذه المجالات في لبنان البلد الذي جاء إليه أقرانه عمالاً في الورش التي بنت لبنان خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.

 

ولم يكن الضابط رستم غزالة ليتصور ان يحقق حلماً آخر طالما راوده عندما كان تلميذاً في مدرسة قريته في حوران ان يضع ساعة ذهبية في يده اليسرى أو سلسلة حول رقبته بعد ان أشبع هذا الحلم في لبنان بهواية جمع سبائك الذهب حتى حين ينخفض سعره نتيجة اكتشافات الحقول الهائلة في الولايات المتحدة ثم روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

ولعل الضابط الأمني رستم غزالة يدرك في أعماق نفسه مثلما يعلم الكثيرون ان هذا الحلم كان أشبه بالمستحيل داخل سوريا، وانه لم يكن ليتحقق لو لم يختره العميد غازي كنعان مساعداً له في بيروت رئيساً لفريق المراقبين السوريين بعد العام 1987 ناقلاً إياه من رتبة ضابط الفصيلة الأمنية في بلدة حمانا الوديعة عند عتبة البقاع الواصلة بين محافظته ومحافظة جبل لبنان، حيث أحبه الناس لدماثة خلقه وطيب معشره وتعففه وهي صفات سابقة على نقله إلى بيروت التي تغوي حتى الملائكة كما وصفها وليد جنبلاط سابقاً.

 

لم تكن ثقة العميد – اللواء غازي كنعان هي الوحيدة التي أهلت غزالة لتحقيق حلمه، ولم يكن فقط الدور السوري في لبنان المتصاعد منذ العام 1976 حتى يوم 14/2/2005 حين بدأ العد العكسي لهذا الدور مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري بل لعل كل هذا لم يكن ليتحقق لولا سلوكية الانتهازية والنفاق والكذب والجبن والجموح والطموح التي ميزت فئة من المتعاطين في الشأن العام اللبناني سواء من كان سياسياً أو حزبياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو أمنياً أو عسكرياً أو ثقافياً أو إعلامياً.

 

هذه السلوكية اللبنانية التي كادت تكون الزلزال الذي يدمر كل القيم والأخلاق والوطنية اللبنانية هي التي مكنت غزالة وكل طاقم الإدارة السورية للبنان قبل غزالة بل ومنذ العام 1989 من تحويله إلى أقل من محافظة سورية يحكمها ضابط أمني سوري ويختار لها موظفيها رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي ويملأ سلطتها التشريعية بالأتباع ويملأ الأجهزة الأمنية بالمخلصين لها ويملأ حكومتها بالوزراء الذين يكتبون له التقارير ويملأ الإدارة بمن يسهل له كل ما يريد، ويعين السفراء ورؤساء الجامعات ومدراءها وعمداءها.

 

هذه السلوكية اللبنانية الانتهازية حولت الضابط السوري الطموح والجموح والآدمي واللطيف إلى إله يحكم بقدرة لا ترد (رب غفرانك) حتى ليعجز أي متولٍ لمسؤولية سورية في لبنان ان يصمد أمام تحقيق ما يريد وحوله وكيفما توجه وأياً من استقبل يقول له ((شبيك لبيك نحن عبيد بين يديك)).

 

هذه السلوكية الجبانة جعلت أعلى الشخصيات اللبنانية مرتبة (رئيساً أو وزيراً أو نائباً أو قاضياً أو رئيساً لجهاز أمني أو سلك قوى أمن داخلي أو مديراً عاماً.. يمدون قاماتهم كي يعبر عليها الحاكم الأمني السوري في لبنان، ويطأطئون رؤوسهم حين يستمعون إلى الشتائم والسباب، وهم يخطئون في مهمة أو تصريح أو موقف أو زيارة أو فشل في صفقة مالية..

 البعض كان يقول عن حسن نية أو جهل أو تنظير إن هذه السلوكية اللبنانية الانتهازية هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن الانحراف الذي وسم سلوك معظم جهاز الأمن السوري والعسكري وكل من طال سلطة أو نفوذاً سورياً في لبنان حتى قيل ان هذه السلوكية لم تكن لتترك فرصة حتى للملائكة أن يعصموا أنفسهم عن الانحراف فكيف بضباط أمن أو جنود أو ضباط كانوا مكبوتين في وطنهم ونظامهم ومجتمعهم فجاؤا إلى لبنان حيث الدلال والمال والجاه والعزومات والهدايا والشقق والصفقات والخضوع والنساء والأرصدة والسيارات.. حتى ان الرئيس الراحل حافظ الأسد وفي رده على من طلب منه مرة التنبه إلى ما يجري على الساحة اللبنانية بما يطال سمعة الجيش السوري والسلطة السورية قال: وهل تظنني سعيداً وأنا أسمع وأقرأ التقارير عن أوضاع الجيش السوري وضباطه وأمنه في لبنان..

 ان هذا الأمر (والكلام للرئيس الأسد الأب) يجعلني أبذل جهداً مضاعفاً لإعادة تأهيل جيشي وتدريبه حين تعود كل قطعة منه من لبنان إلى وطنها.

 ولكن الرئيس الأسد الأب يتابع: وماذا أفعل إذا كان السياسيون اللبنانيون يأتون إليّ كالقطعان (أي كالغنم) يطأطئون رؤوسهم ويتبارون في المديح والغزل بالسلوك السوري في لبنان وسياستنا ودورنا، حتى إذا سمعت ملاحظة مجرد ملاحظة من أحد لم تكن هذه إلا من أجل الطعن في منافس أو غريم وإظهار الطمع في منصب أو دور أو مهمة.

 

كل هذا صحيح

 والصحيح أيضاً ان طبيعة النظام الأمني الذي أقامه الرئيس حافظ الأسد في سوريا منذ العام 1974 وورثه ابنه الدكتور بشار منذ العام 2000 لم تكن لتقبل لا نقاشاً ولا حواراً ولا اعتراضاً على أي أمر سوري صدر في دمشق وسعى الحاكم الأمني السوري لتنفيذه في لبنان..

 

ولقد عوّد الحاكم الأمني السوري كل اللبنانيين سياسيين وغيرهم على الطاعة ثم الطاعة ثم الطاعة.. ونفذ ولا تعترض.. وحسب الطاعة تكون المكافأة، أما مجرد النقاش قبل الطاعة فقد خبر نتائجه كثيرون وأقلها خسارة موقع او صفقة او دور أما الاخطر فهو المصير الذي لقيه كمال جنبلاط وحسن خالد ورينيه معوض وأخيراً رفيق الحريري.

 

لقد كان من اساليب رستم غزالة في التعامل مع السياسيين اللبنانيين الاتصال بهم هاتفياً وشتمهم وإهانتهم ثم يقول لهم بعد الشتائم والاهانات: هناك صديق قريب الآن يريد ان يكلمك في اعلان صريح بأن الشتائم والاهانات تمت بوجود شهود لكي يرووا ما سمعوا.

 

حصل هذا في اتصال هاتفي اجراه غزالة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأكثر من مرة.

 وحصل ايضاً ان اتصل غزالة بالزعيم وليد جنبلاط مهدداً اياه متوعداً شاتماً ساباً ثم ليكتشف جنبلاط بعد ذلك ان هذا الحوار الهاتفي مسجل وان غزالة وزعه شريطاً لعدد من السياسيين والاعلاميين.

 

 على الجانب الآخر كان رستم غزالة وفي لحظات الود النادرة مع رفيق الحريري يبدي إعجاباً شديداً بشخصية رئيس وزراء لبنان ناقلاً إليه إعجاب كل أفراد عائلته والأقارب لهذا الرجل الكبير قائلاً له في كل مرة: يا دولة الرئيس ما هذا الذي تفعله بي؟ ففي كل مرة أزور فيها البلد (حيث بنى غزالة قصراً منيفاً مشهوداً..) أجد أفراد أسرتي وأقاربي يتحلقون حولي يسألون عنك ويدافعون عن أعمالك حتى عندما تكون سوريا غاضبة عليك.. وكان الحريري رحمه الله يكتفي بالابتسام لكن عينيه كانتا تلمعان تعبيراً عن الفرح الطفولي الذي لا يستطيع اخفاءه عندما يسمع إطراء بهذا النوع خاصة من الذين كان مقتنعاً انهم لا يحبونه.

 (عودة لصفحة الملف الأسود)

//-->