وليد جنبلاط وعامّية بيروت

 

بسام ضو(*)

عام 1988 (قبل اتفاق الطائف بسنة) كنت أحد المشاركين في أول مؤتمر وطني لبناني لإعادة المهجرين، انعقد في بيت الدين بدعوة من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. شارك فيه ناشطون وسياسيون من مختلف طوائف لبنان بلا استثناء، ولما تكن نار حرب الجبل قد همدت الا قليلاً، (كانت آخر الصدامات الواسعة قد وقعت في العام 1985)، ولما تكن المناخات المتوترة قد استكانت، (كان التوتر سيد الموقف في منطقة سوق الغرب ومحيطها الذي انفجر عسكرياً في ما بعد ـ آب/أغسطس 1989 بين الجنرال عون الذي كان ممسكاً بنصف حكومة جرى استيلادها قسراً بعد تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، وبين الحزب التقدمي الاشتراكي) ولما تكن المساجلات السياسية ـ الإعلامية قد هدأت، بل كانت في ذروة العنف الكلامي الذي تتقاطع فيه كلمات الأفواه مع فوهات البنادق، فشعر اللبنانيون أنهم في حالة اختناق سياسي ووطني، قد لا يبقى بعده لبنان، وقد لا تبقى صيغة عيش مشترك، وقد لا تبقى وحدة وطنية، وقد لا يعود مهجر الى بيته، وقد لا تتوقف أبداً تلك الحرب المتعددة الوجوه التي بدأت في العام 1975.


آنذاك، وقف وليد جنبلاط في مؤتمر بيت الدين ليطلق نداء المصالحة الوطنية، وليدعو الى إعادة المهجرين. أما الأهم فهو أنه اتخذ الخطوات العملية قبل إطلاق النداء ـ المبادرة، فجاء فعله قبل قوله. وما زلت أذكر أن زميلنا الكبير في جريدة "النهار" ميشال أبو جودة (رحمه الله) خصص عموده اليومي الشهير مرتين للمؤتمر المذكور، الأولى بعنوان "عامية بيت الدين"، والثانية بعنوان "الزياح"، بكل ما تحمل هذه المفردات من دلالات تاريخية وسياسية في تاريخ لبنان، وفي مراحل تبلور الوطنية اللبنانية.


لا يحتاج وليد جنبلاط الى شهادة من أحد. هو نفسه منذ 17/آذار ـ مارس/1977 حتى اليوم، يحتاج الكثيرون الى شهادته. ولا يحتاج الى مديح، فالمديح السياسي لا يطرب له سوى الضعفاء، ولهذا فنحن هنا نقرأ ثوابته في تحولات بلدنا، أي ثوابت المبادرات السياسية الانقاذية ـ وما أكثر ما أقدم على ذلك ـ وثوابت الحوار، والوحدة، والوطنية اللبنانية. وإذا كنا نستذكر، بعد حوالي عشرين عاماً، مؤتمر بيت الدين، فلأننا رأينا في وقفته بعد جريمة اغتيال الشاب زياد قبلان، والفتى زياد غندور مؤخراً، وقفة إنقاذية كتلك الوقفة في بيت الدين. آنذاك خاطب اللبنانيين جميعاً، ومد يده الى من كان بعضهم في خنادق القتال، وتطلع الى كل لبنان بواقعية ذكية، وبأخلاقية تدعو الى السلام وترفض الحرب. وقبل أيام، ومع اختلاف الوقائع، وبرغم اشتداد الصراع السياسي، أقدم على استيعاب الحدث الدامي، فأبعد شبح الفتنة، وأنقذ لبنان من الانزلاق الناري إليها، ولو أن ميشال أبو جودة ما زال موجوداً ـ وإن يكن ما زال حياً ـ لكن قد كتب هذه المرة عن عامية بيروت، مثلما كتب سابقاً عن عامية بيت الدين.
لا نريد الاستغراق في مقارنة عامية بيروت بعامية بيت الدين، فلا متسع لذلك هنا، والحديث يطول، والتفاصيل كثيرة... وجه الشبه المهم هو روح الإنقاذ والحرص على الوحدة، وصلة النسب بين العاميتين، هي صلة التواصل والتوالد ونمو هذين: الروح والحرص. ولكن السؤال الساخن الآن، في هذه اللحظات اللاهبة من حياة لبنان، هل تكتمل فاعلية مبادرة وليد جنبلاط ـ ولا نسميها مفاجأة كونها من ثوابته ـ من دون أن تلقى صدى عملياً وسريعاً كي تتحول المبادرة الفعلية مع الصدى المفترض الى مناخ سياسي؟.. الجواب قطعاً هو بالنفي الحاسم، مثلما إن التلكؤ في التقاط أبعاد موقف وليد جنبلاط الذي يتحدث دائماً بلغة البرق، هو تكلؤ مؤذ للبنان، وللحوار الواقعي الذي ينطلق من فهم دقيق وعميق لتركيبة هذا البلد الذي لا يمكن أن يعيش خارج منطق التسوية الوطنية، "فهو بلد التسوية بكل ثنايا هذه الكلمة وخفاياها".
عندما نجحت عامية بيت الدين، ارتكز نجاحها على عنصرين: مبادرة وليد جنبلاط، والاستجابة السريعة لها (المسيحية خصوصاً)، ولولا هذين العاملين لكانت فكرة المصالحة الوطنية قد أصيبت بالذبحة القلبية. وإذا كان التاريخ قد ظلم عامية بيت الدين فطغى عليها اتفاق الطائف بعد سنة (في العام 1989) فإن الوثائق التي بين أيدينا، وأيدي كثيرين غيرنا، تثبت أن صياغات الوحدة الوطنية، والتطلع الى بناء الدولة في لبنان، كانت في عامية بيت الدين أرقى مضموناً وأبعاداً من صياغات اتفاق الطائف. ولكي تنجح عامية بيروت، فتكون خطوة أولى نحو تسوية وطنية، كما كانت عامية بيت الدين خطوة أولى سبقت ومهدت لوثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) فإنها تحتاج الى فعل الاستجابة، ولعل هذا جوهر ما قصده بالضبط مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين عندما قال: "نأمل أن تكون التحية الجوابية أحسن منها، ونرى أن التحية الأحسن هي التجاوب مع النداء العاقل والحكيم بتسريع العودة الى الحوار، وإعادة الاعتبار الى مؤسسات الدولة".


المعارضة التقطت ما يرمي اليه وليد جنبلاط، ولكنها حتى هذه اللحظة لم تتفاعل مع مضمونه، أو إنها تفاعلت بأسلوب بارد، بينما يحتاج الأمر الى تفاعل حار يضع الاعتدال والتوازن، ويهيئ مناخات التسوية داخلياً برغم أننا جميعاً نعرف، وبواقعية شديدة، أن تاريخ التسويات في لبنان مرتبط، بشكل أو بآخر بعوامل إقليمية ودولية، ولكن في كل الحالات لا يمكن قيام تسوية بقوة الخارج فقط، من دون قوة الداخل.


التسوية تحتاج الى تنازلات متبادلة، وهذا ما تحدث عنه الشيخ نعيم قاسم في أحد تعليقاته على مواقف وليد جنبلاط، غير أنه أراد "خطوات عملية" وفقاً لتعبيره. أوليس موقف وليد جنبلاط بعد استشهاد الـ "زيادين" خطوة عملية كبيرة؟ أوليس تخليص لبنان من نيران الفتنة خطوة عملية؟


يجب أن تبدأ القراءة من هنا. يجب أن نرى الخطوات العملية من هنا. يجب أن يبدأ التفكير السياسي العميق في كيفية إنقاذ لبنان، لا في كيفية استخدام لبنان، وفي ما يحتاج اليه اللبنانيون بعد ثلاثين سنة من الحروب التي لا تكاد تتوقف حتى تتجدد. يجب أن يبدأ التفكير ببلورة الوطنية اللبنانية والديموقراطية التوافقية. فلبنان بلد لا يتنفس خارج رئة التسوية التي تحتاج الى مبدأ التوافق القائم على توازن التنازلات في كل شيء: الحرب، والسلم، والاقتصاد، والتنمية، والشراكة، ولبنان لا يحتاج إلى مشاريع أحادية أو فوقية، أو جهوية، ولا يتحمل نزفاً إضافياً فوق ما تحمله، ولا يعني هذا أبداً أنه خارج العرب في الأصل، أو أنه يجب أن يكون خارج العرب، ولكنه يعني أن لبنان يجب أن ينتقل من حالة الساحة، الى حالة الوطن، والى حالة الدولة، وأن إعاقة هذا الانتقال لا تبقي هذه الساحة، ولا تجعل منه وطناً حتماً، ولا تقيم فيه دولة جامعة. ويعني أيضاً أن لبنان ما عاد قادراً على أن يكون رأس حربة، فخصوصية تركيبته القلقة في هذا الشرق الملتهب، تحتاج الى الاستقرار، وإلا فالبديل هو الخراب.


قد يقول قائل، إن تبادل التنازلات لا يتم بين ليلة وضحاها، وخصوصاً بعد الكوارث التي نزلت في لبنان عقب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكننا ـ (وإن نكن نفهم هذه المقولة واقعياً في لعبة السياسة) ـ مع غالبية اللبنانيين نرى أن المطلوب هو الشروع في صناعة مناخات التسوية، ولو بخطوات جزئية تتراكم تبادلياً بين المعارضة والموالاة. (لو أقدمت المعارضة مثلاً على قبول الهدنة التي اقترحتها الهيئات الاقتصادية، فأوقفت الاعتصام في وسط بيروت، هل كان سيقول لها أحد من الموالاة: نريد بعد خطوات عملية؟ أليست طريق الألف ميل من أي طرف كان، تبدأ بخطوة واحدة كما يقول المثل الصيني؟).


عندما ذهب وليد جنبلاط في تلك الليلة الى وطى المصيطبة، كان يقرأ الكل في الجزء، والجزء في الكل، أي أنه ذهب الى كل لبنان، فوأد الفتنة، واتخذ خطوة عملية، ففتح سياسياً كوة مضيئة في الجدار.


لا يستحيل على المعارضة، إذا أرادت، أن تفتح كوة ثانية مضيئة. إن وضعية لبنان اليوم أشد خطورة مما كانت عليه في العام 1988 عندما جرى تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية. وإذا كان هناك من يقول إن التفكير بالحلول مؤجل هذه المرة حتى يحين موعد انتخابات رئاسة الجمهورية، فإن هذا القول برغم نسبة كبيرة من واقعيته، لا يبرر على الإطلاق الإحجام عن ملاقاة المبادرات الانقاذية في منتصف الطريق، ولا يبرر أبداً التلكؤ عن المساهمة في خيارات التسوية، بل إن ذلك قد يعرض لبنان لخطر أشد هولاً، قد يؤدي الى تضييع سنوات قبل العودة الى التسوية.


لقد كانت عامية بيت الدين قبل عشرين عاماً، خطوة أسست لترسيخ وتوسيع المصالحة الوطنية، ولولاها لما كان ممكناً إشاعة أجواء اتفاق الطائف بعدها، وعامية بيروت حالياً تحتاج الى من يقرأ أعماقها ليكون التلاقي خطوة تمهد داخلياً لتسوية جديدة.


(*) كاتب سياسي

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->