|
هذا هو جاك شيراك الديغولي
وداد
الديك(*)
أيام ويغادر الرئيس الفرنسي جاك شيراك قصر الاليزيه بعد مكوثه فيه 12
عاماً. لا يمكن، قطعاً، لبنان لنا نحن اللبنانيين والعرب، حصرها بعدد
شهورها وأيامها بقدر ما هي أسست لتاريخ جديد في العلاقة المتبادلة.
رأيت الرئيس الفرنسي، للمرة الأولى، في عشاء أقيم في "معهد العالم
العربي" في العاصمة الفرنسية، عندما كان رئيساً لبلدية باريس منذ عام
1977، هذه المدينة التي أحبها وعشقها فجعل منها مدينة الأضواء وملتقى
الثقافة والفكرة. فالرئيس شيراك أحد الذين ساهموا في انشاء معهد العالم
العربي بغية التعريف بالثقافة العربية المتنوعة، وإثراء روح التبادل
والحوار والتعاون. وهو المؤمن بتاريخ العرب وحضارتهم الغنية، كما
بالحوار سبيلاً بين مختلف الثقافات ووجوب تكريسه وتفعيله في كل
المناسبات بغية التلاقي والتقارب بين الشعوب وتفعيل القيم والمبادئ
التي تحترم حقوق الانسان المهددة في عالمنا العربي والشرق الأوسط ومن
هنا وقع اختيار جاك شيراك لمعهد العالم العربي لإحياء الذكرى الثانية
لاستشهاد صديقه بطل الاستقلال الثاني الرئيس رفيق الحريري، وكأنه بهذا
أراد القول والتأكيد مرة أخرى على عمق العلاقة والصداقة التي تربطه
بلبنان وبالعالم العربي. وذلك ليس مستغرباً على رجل مثله لطالما ساند
القضايا العربية ومنها القضية المركزية للعرب، القضية الفلسطينية على
امتداد لنحو ثلاثة عقود من الزمن. وهو الذي طالب دوماً بدعم ومساندة
الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة في الضفة الغربية وقطاع
غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
هذه المواقف ليست بمستغربة من الرئيس شيراك ابنا لمدرسة الديغولية،
مدرسة مقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوق الانسان ومناصرة الشعوب
المقهورة، وهو المؤيد لحق تقرير الشعوب لمصيرها. ألم يستقبل الرئيس
الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال فترة علاجه في مرضه الأخير في احد
مستشفيات ضواحي باريس وتابع شخصياً مراحل هذا العلاج. وعندما توفي
الرئيس عرفات، قام شيراك وكعادته بتحية الرئيس الفلسطيني في جنازة تليق
بكبار رؤساء الدول.
ولن ينسى الشعب الفلسطيني والعرب عموماً هذه المواقف المساندة لقضاياهم
والمقدرة لزعاماتهم الوطنية حق قدرها.
هذا هو جاك شيراك صديق العرب والقضايا المحقة، صديق لبنان واللبنانيين.
وإن ينسَ اللبنانيون، فلن ينسوا دور جاك شيراك منذ وصوله الى سدة
الرئاسة عام 1995 في دعمه للبنان في محطات عديدة، ثقافية كانت أم
اقتصادية. ففي الجانب الثقافي عزز الثقافة الفرنكوفونية في لبنان وذلك
عن طريق مؤسسات علمية فرنسية وأهمها انشاء "معهد الدراسات العليا" في
مقر السفارة الفرنسية السابق في كليمنصو بهدف تحصين الفرانكوفونية في
لبنان وتطويرها إن على الصعيد العلمي أو اللغوي. وفي هذا السياق، كان
الداعم الأول مع صديقه الشهيد رفيق الحريري لعقد قمة الفرانكوفونية في
عام 2002 في بيروت وذلك للتعبير مرة أخرى عن حبه وصداقته العميقة لهذه
العاصمة. وهنا أراد الإشارة الى المكانة التي تتمتع بها بيروت عاصمة
الحضارات والحريات، فبيروت كانت ومازالت في نظر جاك شيراك مدينة
التواصل والتلاقي لسائر الديانات والثقافات.
ولن ينسى اللبنانيون أيضاً زيارة شيراك على هامش الفرانكوفونية مع
صديقه الشهيد رفيق الحريري لوسط بيروت واعجابه الشديد في هذا الوسط
الذي وصفه "بالانجاز العظيم" فقيل عنه حقاً في وسط بيروت بأنه صديق
لبنان الوفي. ومواقفه الداعمة لإقتصاد لبنان، فمن ينسى دور شيراك في
مؤتمرات باريس 1 ـ 2 ـ وأخيراً باريس ـ 3 فالرجل كان له الدور الأكبر
والأهم في التحضير لهذه الملتقيات الدولية وإنجاحها عبر حشد الدول
والمؤسسات الدولية والمالية لدعم نهوض لبنان وإعادة إعماره وخططه
للإصلاح والإنهاض، إضافة الى الأموال التي أمنتها المصارف التجارية
بمعدلات فائدة تقارب الصفر في المئة التي خفّضت حاجات الحكومة من
التمويل وشكلت خطوة مهمة لقلب ديناميكية الدين.
والكل يعلم ان خروج الرئيس الحريري من الحكم عام 2004 ترك انعكاسات
سلبية على مسار نتائج باريس ـ 2 بسبب عدم تنفيذ لبنان التزاماته على
هذا الصعيد. والرجل كان له أيضاً الفضل الأكبر في دعم سياسة لتحرير
التجارة في لبنان واتفاق الشراكة الموقعة مع الإتحاد الأوروبي لأنه
يؤمن بلبنان كمفترق طرق بين العالم العربي والعالم الأوروبي.
ومن محطاته في الجانب الاقتصادي والمالي، التحضير لمؤتمر مؤتمر باريس ـ
3 الذي عقد العام الفائت في ظل ظروف صعبة وحساسة يمر بها لبنان. فيوم
الخميس الأسود في
25/1/2007
كان يوماً أبيض في سجل الرئيس شيراك.
فللرئيس شيراك إذن أياد بيضاء لن ينساها اللبنانيون أبداً، فهو
"المهندس الأبرز" لمؤتمرات دعم لبنان ـ باريس ـ 1 وباريس 2 ـ وفي مؤتمر
باريس 3 ـ وإذ أطلق اسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري عليه، تجلى مدى
الحب والوفاء المدهش من هذا الرئيس الكبير للبنان واللبنانيين ولصديقه
الرئيس الحريري.
وإن ينسَ اللبنانيون، فلن ينسوا وفاء هذا الرئيس الكبير لصديقه الشهيد
الرئيس رفيق الحريري، وقد برهنت على ذلك منذ لحظة اغتيال الرئيس
الحريري عند مجيئه الى بيروت بعد التشييع فاستقبله اللبنانيون بالهتاف
للصداقه مع فرنسا التي انحنى رئيسها وعقيلته أمام ضريحه تقديراً على
القيم التي ناضل الرئيس الشهيد رفيق الحريري من أجلها. فأراد جاك شيراك
وقتها ان يقول للبنانيين كافة كم انه وأكثر من أي وقت مضى، يشعر اليوم
بالتضامن مع معاناته ومصيره. ولن ينسى اللبنانيون قوله يومئذ عند وصوله
الى مطار بيروت "جئت الى بيروت لأحيي ذكرى رجل صديق، كان أيضاً رجلاً
ديموقراطياً كبيراً ورجل دولة... كان رجل سلام".
لن ينسى اللبنانيون وعد جاك شيراك لهم بالحقيقة ووقفته الى جانبهم في
ثورة الأرز لتحقيق الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية، وهو، الى ذلك،
لم يتوقف عند دعم لبنان وقضيته في المحافل الدولية إذ دعم كل قرارات
مجلس الأمن ذات الصلة بالموضوع اللبناني، كالقرارات 1559، 1995، 1636،
1644، 1686، 1701، 1748 وكلها تدعم مطالب تكريس الاستقلال الحقيقي
للبنان، ومطلب معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ونيل
القتلة عقابهم، وبعضها ايضاً أوقف العمليات العدائية الاسرائيلية ضد
لبنان في الصيف الفائت، بما تعنيه من دعم مباشر لهذا البلد، وحماية
لدورة الحضاري والاقتصادي والسياسي.
أخيراً، يمكننا القول ان الرئيس شيراك آمن بلبنان، آمن يشعبه، وآمن
بوجهه الحضاري والديموقراطي عبر التاريخ كما أنه آمن بمكانه هذا البلد
الصغير كبوابة عبور للحضارات بين الشرق والغرب، وهو لكل ذلك وبسبب منه
يستحق الشكر.
سيفتقدك اللبنانيون أيها الصديق الوفيّ.
(*)
أستاذة في العلاقات الدولية
عودة
لزاوية مساحة حرة
|