الحكومة الميثاقية

 

حسان القطب (*)

عام 1973 وعلى اثر اندلاع حرب المخيمات في لبنان قام الرئيس فرنجية آنذاك بتكليف الرئيس أمين الحافظ بتشكيل حكومة جديدة دون الأخذ بعين الاعتبار مواقف الكتل السياسية والنيابية، ولكن الرئيس الحافظ استقال لعدم توافر الاجماع الوطني والاسلامي عليه وفشل الرئيس فرنجية في فرض موقفه على الساحة الوطنية والاسلامية.


عام 1975 كرر الرئيس فرنجية منهجه وكلف الضابط نور الدين الرفاعي بتكليف حكومة عسكرية، لم تبصر النور سوى ما يقارب من الاربعة وعشرين ساعة نظرا للمعارضة الشديدة التي أبداها سماحة مفتي الجمهورية المرحوم حسن خالد.


عام 1988 أعاد الرئيس الجميل السيناريو عينه، بعد تعذر اجراء انتخابات رئاسية وكلف قائد الجيش الماروني ميشال عون بتشكيل حكومة عسكرية انتقالية ولم يفلح الامر ونشأ في البلد حكومتان، واحدة برئاسة الحص الذي تخونه الذاكرة هذه الأيام والاخرى يرأسها عون التي أذاقت اللبنانيين الويلات من حرب التحرير إلى حرب الالغاء ولم توفر مسلما ولا مسيحيا ولا سوريا ولا فلسطينيا.


إذا كان الدستور القائم آنذاك يسمح للرئيس الحاكم بأن يكلف ويعين رئيس الوزراء السني دون العودة لمضمون ونتائج الاستشارات وآراء النواب والكتل البرلمانية والسياسية، إلا أنه مع ذلك فقد سجل فشل أكثر من رئيس في فرض هذا الواقع وهذه الممارسة، فلماذا يسعى البعض من قوى 8 آذار إلى التذكير بهذه الممارسة وهذا التصرف على أنه الحل الوحيد والمتاح فقط والنتائج السابقة الفاشلة لهذا الاداء لم تمحوها الذاكرة بعد.


دستور الطائف اليوم لا يعطي رئيس الجمهورية هذه الصلاحية أي التعيين والتكليف والتشكيل دون العودة الملزمة إلى المجلس النيابي، فكيف سيكلف الرئيس لحود رئيسا جديداً للوزراء.. وتحت أي مسوغ ومبرر دستوري وقانوني.


وإذا كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي هو من ضمن الاقلية النيابية ولكن مع ذلك تم انتخابه بشبه إجماع من قبل كافة الكتل، على ضوء الواقع الشيعي الذي يقوده حزب الله والراغب في عدم السماح في إختيار رئيس للمجلس من خارج التركيبة السياسية التي تحظى بإجماع شيعي شبه مكتمل، فلماذا يرغب البعض من هذا الجو السياسي والطائفي.. في فرض رئيس وزراء على الموقع الرئاسي الثالث من خارج هذا الاطار المتعارف على احترامه والنزول عند رغبته.


وإذا كان خروج وزراء طائفة من الحكومة بقرار سياسي وليس باستبعاد من قبل أحد، خاصة وأن لا أحد يستطيع أن يدعي مهما علا شأنه من أنه يمثل طائفة من الطوائف بشكل كامل وحصري.. لماذا إذا بعد الاستقالة أعتبر "حزب الله" ان الحكومة القائمة حالياً غير دستورية وغير ميثاقية، ويهدد الحكومة الحالية إذا ما استوزرت وزراء شيعة من خارج التركيبة المعروفة، ولذا استنجد الحزب بفتوى الشيخ عفيف النابلسي والد المسؤول الاعلامي السابق للحزب والمستشار الاعلامي للسيد نصر الله المدعو محمد عفيف، التي تحرم على أي شخص من الطائفة الشيعية أن يدخل الحكومة ما لم يكن حاصلا على موافقة أمل وحزب الله (وذكر حركة "أمل" هنا هو للتحبب والتودد فقط)، فكيف يكون الأمر إذا بتأليف حكومة يستبعد منها القيادات الاساسية لطائفة أساسية ومعها طوائف أخرى ولا يراعى في تشكيلها الاصول الدستورية والقانونية والحالة والرغبة الشعبية أيضاً، فأين الحرص على الروح الميثاقية التي ينادي بها "حزب الله"، وهل يمكن تجاهل الحضور الشعبي الهائل الذي برز في الرابع عشر من شباط، ( حضر دون أي تكليف شرعي، ودفع كفارات عن المتغيبين، والتهديد بالحرمان من الجنة)، ورغم المعوقات التي حاول أن يفرضها حزب الله على الطرقات لمنع المتظاهرين من الوصول، سواء كان الذي سيشكل هذه الحكومة من الطائفة المارونية أو من الطائفة السنية، فهو لن يفلح وسيفشل، لأن من المؤكد ايضا أن موقف سماحة المفتي وسائر أركان الطائفة السنية والقوى الحية والفاعلة في الطوائف الأخرى وفي هذه الطائفة الحاضرة دائما للدفاع عن حضورها واحترامها، كما هي حريصة بإستمرار على احترام الاخرين ومواقعهم، والامينة أبداً على ضمان وديمومة واستمرار واستقرار العيش المشترك في هذا الوطن، لا بد ستعارض وبشدة هذا التصرف المسئ لها، وللجميع أيضاً، وللوحدة الوطنية والوحدة الاسلامية كذلك، فهل ستكون عندها هذه الحكومة بنظر حزب الله ميثاقية ودستورية وقانونية أم أن الحزب يؤسس لخلاف مع باقي الطوائف لا يمكن حله بعدها وصولا لفرض مبدأ الكونفدرالية التي هي شبه مطبقة من قبله اليوم؟؟


وإذا كانت حكومة الرئيس السنيورة التي تحظى برعاية الاكثرية النيابية غير دستورية وغير قانونية فما حال الحكومة التي يهدد محمد رعد بتأليفها دون استقالة الرئيس السنيورة ودون ثقة نيابية، ودون رعاية شعبية، ودون احتضان دولي وعربي وإذا كان رعد لا يرغب في الاحتضان الدولي فلا يطالب بالاموال التي تقاطرت على لبنان لترميم ما هدمته الحرب الاقليمية على الارض اللبنانية وليكتف بما ترسله له طهران عبر دمشق في الحقائب السوداء وهل يكفي اللهم تأييد دمشق وطهران لهذه الحكومة اللاميثاقية واللادستورية واللاقانونية بنظر النائب الغيور على الوحدة الاسلامية والوطنية لتصبح عكس ذلك.


وهل سياسة إطلاق الوعود بالتكليف والتوزير لبعض عناوين السنة والموارنة وبعض الطوائف الكريمة التي نحترمها حتى لو أخطأت، كافية لبناء وطن وحفظ العيش المشترك، وهل يقبل "حزب الله" ومن معه أن يمارس عليه وبحقه ما يمارسه ويطلقه بحق الاخرين ألا يتعظ المعاون السياسي للسيد حسن نصر الله، حسين الخليل، من جواب الرئيس عمر كرامي عندما عرض رئاسة الحكومة الثانية عليه، (كما يقول البعض من العارفين)، فأجابه الرئيس عمر كرامي، بأني لست ممن يطعنون الطائفة ولا ممن يسيئون إلى مواقعها مهما كانت حدة الخلافات بيني وبين البعض، وهذا موقف نحترمه للرئيس كرامي ونجله عليه في حال ثبوت صحته ونترك هذا للايام المقبلة وتقول بعض المصادر المطلعة الأخرى ان الخيار الأخر للسيد حسين الخليل أولاً، طبعا وقيادة "حزب الله" ثانياً، هو في السيد عبد الرحيم مراد الحاضر دائما أو في السيد فتحي يكن، المستعد أبدا بعض المطلعين على الخبايا داخل الحزب يعتبرون أن السيد حسين الخليل، هو الحاكم بأمره في قيادة "حزب الله"، حتى أن البعض من داخل الحزب يطلق عليه اسم المندوب السامي لسوريا داخل "حزب الله"، بعد أن عطل دور المكتب السياسي للحزب وسائر الاجهزة الداخلية ليصبح التعاطي السياسي داخل الحزب منوطاً بمشاورات ومداخلات ثنائية وتوصيات تحمل طابع التوجيهات وعلى أثرها تظهر وجوه وتغيب وجوه من الحزب من على شاشات التلفزيون ووسائل الاعلام ومنذ سنة تقريبا لم نعد نسمع أن إجتماعا عقد للمكتب السياسي للحزب أو لمجلس الشورى في الحزب.


كلمة أخيرة نقول فيها ما هكذا تبنى الاوطان ولا هكذا يؤسس للعيش المشترك ولا هكذا يكون احترام الدستور والقوانين ولا هكذا يكون الخطاب السياسي ونتمنى أن لا يجربن أحد الاساءة...الحل الوحيد هو في الحوار على الانخراط في مشروع الدولة الواحدة وفي استنهاض مشروع للحياة، يضمن مستقبل أولادنا واحفادنا وليس في استصدار جوازات سفر أو إعلان على صفحات الوفيات، لترضى عنا دمشق وطهران.

(*) مواطن لبناني

 

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->