شهادة المعارضة وشهادة الموالاة

 

عبادة أحمد (*)

قبل دقائق قليلة من الكلمة التي ألقاها النائب وليد جنبلاط في تشييع الشهيدين زياد غندور وزياد قبلان، كان تلفزيون "المنار" يتحدث إلى شخصيات من نوع عدنان عرقجي ليسألهم المذيع عن ضرورة "عدم التوظيف السياسي للجريمة"، وليجيبه الضيف عبر الهاتف بأن الجريمة تؤكد الحاجة إلى ضرورة "قبولهم" (الموالاة) بتشكيل حكومة وحدة وطنية.


بعد دقائق تكلم وليد جنبلاط وبث "المنار" كلمته مباشرة، وخرج صوت المذيع بكلمات قليلة قبل اختتام النقل المباشر ليشيد بإجماع القوى السياسية على إبعاد الجريمة عن التوظيف وليقول إنهم "نجحوا في ذلك".


لعل هذه الشهادة من تلفزيون المعارضة لتصرف قوى 14 آذار أمام هذا المصاب، تكون فاتحة استفادة من الدرس. كان الدرس قاسياً على الوطن، استجلب أمام الجميع مخزون الذاكرة المؤلم للمعارضة والموالاة على حد سواء. لكن، وللعبرة، لا بد من استرجاع المقدمات المباشرة التي ساقت الأمور إلى هنا.


يفترض أن من اختطفوا وقتلوا يعتقدون بحسب المؤشرات الأولية، أن من قتل الشهيد من آل شمص هم بعض من أهالي وطى المصيطبة الموالين للحزب "التقدمي الاشتراكي"، قد يثبت عكس ذلك في القضاء لكن احتمال أن يكون هذا دافع الجريمة هو الأكثر احتمالاً. من يتحمل مسؤولية هذه الفكرة المغلوطة في أذهان الخاطفين وغيرهم، خصوصاً بعد أن ظهر القاتل الحقيقي ومثل جريمته؟.


يحتاج "حزب الله" إلى الاستفادة من مرارة خطئه في تصرفه مع مصاب آل شمص، لا لتسجل عليه الموالاة نقطة، بل من أجل مستقبل البلد. لقد بنى الحزب ومعه المعارضة، ممارسات وخطابات خطيرة على استشهاده، رفعت له صور في الاعتصام ووجه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، بكل ما يمثل من "كاريزما" لدى جمهوره، اتهاماً "لميليشيات السلطة" بسفك دم الشهيد، وقال في خطاب جماهيري قولته الشهيرة "لو قتلوا منا ألفاً ...".


ظهر القاتل ولم يكلف الحزب ولا أمينه العام نفسه مراجعة جمهوره للقول إننا أسأنا التقدير. لم يقل تلفزيون "المنار" لمشاهديه إن الريبورتاجات التي ألهبت المشاعر بتحميل "ميليشيات السلطة" وزر الدم المسفوك، كانت خطأ.


الآن ينادي الحزب بعدم توظيف جريمة "الزيادين" سياسياً، وهذا حق ذهبت الموالاة فيه أبعد من ذلك، لتهدئ خواطر جمهورها الغاضب. لكن هل سيقول "حزب الله" إنه أخطأ حين وظف جريمة شمص سياسياً؟ هل سيقول إن إعلامه يتحمل نصيباً من المسؤولية المعنوية عن تبعات هذا التحريض؟.


إنه وقت المراجعة وليس وقت تسجيل النقاط. خطت قوى "14 آذار" وخطا سعد الحريري ووليد جنبلاط خطوات لم يكن أحد من المعارضة يتوقعها. لم يميز الحريري بين دم اللبنانيين، ولم يخاطب من بينهم من هم "أشرف الناس"، وقال جنبلاط في اللحظة الصعبة إنه لا فرق بين الطريق الجديدة والضاحية، قال إن المقاومة توحدنا، لم يحمّل أي منهما ميليشيات المعارضة المسؤولية، ولم يقل "لو قتلوا منا ألفاً"، بل قدّما النموذج المضاد، النموذج الذي تحتاج له البلاد، ليكون دم "الزيادين" قرباناً للوحدة، لا "بوسطة" جديدة إلى حرب لا تبقي ولا تذر. فبمَ ستجيب المعارضة؟ وسط بيروت يترقب.

(*) مواطنة

 

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->