اتعظوا بالتاريخ

 

جمال مرعشلي (*)

أنا سني لبناني، أعود بالذاكرة لعقود خلت فأرى قومي في لبنان رأس حربة في حرب إخوانهم في الوطن، بعد أن صدقوا مقولة "طريق القدس تمر في جونية". فاتبعوا "الأبوات" الفلسطينيين وحاربوا إلى جانبهم ما سمي وقتها "المارونية السياسية" لسنوات دمر خلالها الوطن وقسم شعبه شعوباً، ليكتشفوا بعد انطلاقه الانتفاضة المباركة أين تصنع الأحداث حقيقة، والتفتوا يمنة ويسرة ليجدوا "الأبوات" ـ إلا من ندر منهم ـ وقد راكموا أرصدتهم في المصارف وأنغمسوا في طلب الدنيا وناؤا بأنفسهم بعيداً بعيداً عن طريق القدس.


العامل الإسرائيلي الذي ظن السنّة أنهم يحاربون لأجل إبعاده عن بلادهم وجدوه شاخصاً أمام ناظريهم، بعد أن اضطر المسيحيون، كأقلية تعيش وسط بحر من المسلمين، الى الاستعانة به حماية لأنفسهم، أو هكذا حسبوا، خطأ أم صواباً.


عاملان أساسيان ساهما في تبديل الصورة: الاجتياح الإسرائيلي الذي قضى على دولة "الأبوات"، ونجاح الخميني من منفاه الباريسي في الإطاحة بشاه إيران والوصول في طائرة "ايرفرانس" الى طهران لتسلم الحكم فيها. الصورة الجديدة داخل الفسيفساء اللبنانية المعقدة تغدو كالتالي: السنة يتراجعون مع اختفاء "الأبوات" الشيعة يتقدمون مع ظهور "آيات الله"، المقولة الآنفة تتبدل لتصبح "يا دولة آل البيت وولاية الفقيه القومي".


حرصت دولة "الآيات" الناشئة منذ انطلاقتها الأولى على تشجيع الشيعة في كل مكان على الانخراط في مشروعها، هؤلاء الشيعة الذين يعيشون كأقليات متناثرة في بلدانهم في العالم الإسلامي المترامي، اللهم سوى في بلدين اثنين: العراق الذي كان صدام حسين سداً منيعاً أمام نفاذ إيران إلى شيعته، ولبنان الذي شاء له القدر في ذلك الوقت أن تتكامل جهوزيته للانخراط في المشروع الإيراني بسبب العوامل الآتية:

أولاً، زوال دولة الفلسطينيين المسلحة وفراغ الساحة ـ وبالأخص ساحة الجنوب ـ أمام شيعة لبنان ليبدأوا على الفور أضخم عملية تسلح في تاريخه.

ثانياً، حصر "حزب الله" عمله العسكري بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، التي لقيت مباركة الشعب اللبناني.

ثالثاً، سيطرة القوات السورية ـ الحليفة لإيران ـ على لبنان. التي قامت بتسهيل عمليات الدعم اللوجستي لـ"حزب الله" وتنقل مقاتليه وتسهيل وصول السلاح الإيراني وغيره عبر الأراضي السورية والحدود السورية ـ اللبنانية.


بعد الضربات المسددة والمؤلمة التي وجهها "حزب الله" للجيش الإسرائيلي، خرج هذا الجيش مدحوراً من لبنان ورفعت صور حسن نصرالله (السيد) في تظاهرات تخطت الحدود لتعم العالم الإسلامي السني، في ظاهرة فريدة في التاريخ، كم كان الأجدر بالسيد نصرالله أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل المحافظة عليها.


على الساحة اللبنانية ارتفعت مع خروج إسرائيل مطالبة اللبنانيين بتسليم "حزب الله" سلاحه للشرعية وانتقاله الى العمل السياسي، في مطلب طبيعي ومحق في أي دولة في العالم يجب أن يتساوى مواطنوها جميعاً أمام القانون، ولكن الحزب رفض الأمر رفضاً قاطعاً بحجة بقاء أراضي (شبعا) محتلة، وبأن سلاحه دفاعي عن لبنان وليس موجهاً الى الداخل، فلم يقتنع اللبنانيون بهذه الحجج، بل ازدادت مطالباتهم ورفضهم للدولة داخل الدولة، تماماً كما فعلوا مع "الأبوات" سابقاً، مع تبدل الأدوار بينهم هذه المرة.


بعد الاجتماع الشهير، الصاخب والمقتضب جداً بين رفيق الحريري وبشار الأسد في 25 آب 2004، والذي يقول المقربون من الحريري ـ كولده سعد وجنبلاط ومروان حمادة وعبد الحليم خدام ـ إنه تم فيه تهديد الحريري بتدمير لبنان فوق رأسه ورأس جنبلاط إذا لم يتم التمديد للحود، يتم التمديد فعلاً، لتتحرك عندها الأمم المتحدة لاستصدار القرار 1559، معتبرة أن التدخل الأجنبي في لبنان قد وصل حداً غير مسموح به، فيجن جنون سلطة الوصاية التي ماطلت لسنوات في سحب جيشها من لبنان كما يطالب اتفاق الطائف، وتعتبر أن هذا القرار سياسي يهدف إلى عزلها ومعاقبتها، فتوعز الى مناصريها في لبنان ليبدأوا أشرس عملية هجوم إعلامي على القرار الدولي، متهمين قيادات كبرى بالعمالة لأميركا وإسرائيل وبتسهيل استصدار هذا القرار، وطاولت سهام تجريحهم على وجه الخصوص الحريري وجنبلاط.


بعد الزلزال المدوي الذي ضرب لبنان باغتيال الرئيس الحريري، أدت خطوات كثيرة قام بها "حزب الله" إلى توغله في الابتعاد عن تعاطف اللبنانيين ودعمهم، فبعد أقل من شهر على الاغتيال ينظم الحزب في 8 آذار مهرجان عرض للقوة الجماهيرية سماه "مهرجان شكر سوريا"، وهي التي لا يمكن لأي عاقل عاين سيطرتها على كل مفاصل الحياة في لبنان أن يخرجها من دائرة التهمة، في خطوة عدها اللبنانيون استفزازاً فنزلوا في 14 آذار بحشود جماهيرية أضخم، مطلقين "ثورة الأرز" ومعها ـ للأسف ـ بدأت تتبدى الملامح الواضحة لانقسام الشعب اللبناني. ثم تكر سبحة المواقف المستفزة، خروجهم من جلسة مناقشة شتم رئيس دولة أجنبية (الأسد) لرئيس وزراء لبنان ووصفه بـ"عبد مأمور لعبد مأمور" في حين لم يرضوا ـ وهذا حق ـ بتمثيل شخصية السيد نصرالله في برنامج كوميدي، مطالبتهم بسؤال نيابي عن دعم السنيورة للقرار 1559، سكوتهم عن المقابر الجماعية في عنجر في حين ملأ إعلامهم الدنيا ومشارقها ومغاربها بأخبار مقابر العراق الجماعية، سكوتهم عن شعارات رفعت في تظاهرة لهم في النبطية وصفت نائباً في البرلمان اللبناني (جبران تويني) بـ"الحمار"..

عدم استنكارهم لما نشر في صحيفة "نيويورك صن" من وصف فيصل المقداد لجبران بعد استشهاده بـ"كلب ومات". إقامتهم الدنيا وعدم إقعادها لدى استقبال السنيورة ـ كرجل دولة ـ لبلير في السرايا، في حين يتناسبون أن شيعة العراق كان لهم دور في تمكين هذا الرجل وصاحبه بوش من احتلال العراق، ولا ينبسون ببنت شفة تجاه مصافحة حليفهم (الأسد) للإسرائيلي كاتساف في جنازة البابا ومصافحة حليفهم لحود للإسرائيلي سيلفان شالوم في تونس، سكوتهم عن محاصرة سوريا الشاحنات على الحدود، وفي البحر، حيث اعتقلت صيادين لبنانيين.. عدم تعليقهم على القبض على خلية لـ"الحزب القومي" متورطة في التفجيرات ثم على سيارة فيها 25 رشاش كلاشنكوف لـ"القومي" والقبض على خلية "فتح الإسلام" التي قتلت لبنانيين في عين علق بأوامر من سوريا، ولم يعدوا هذه الأفعال تدخلاً أجنبياً، كلامهم المستمر عن "أشرف الناس" وعن "المال النظيف" الإيراني وكأنهم يريدون القول ـ بمفهوم المخالفة ـ إن من لم يكن معهم فهم من الأقل شرفاً وأصحاب المال الحرام، صمتهم الذي يشبه صمت القبور عن إعلان سوريا أن مندوبها في الأمم المتحدة السفير سليمان كان يتصل بالإسرائيليين في الوقت الذي كانت تتطاير فيه أشلاء الجنوبيين اللبنانيين­ وغيرها وغيرها.


قمة استهتار حزب الله باللبنانيين كانت حين ذهب الى حرب تموز منفرداً دون استشارة أحد، ولا حتى الدولة اللبنانية، وما تبع هذه الحرب من أحداث ومآسٍ ما زلنا نعيش فصولها وتداعياتها حتى اليوم، والتي ربما نخصص لها مقالاً آخر، ولكن أود ختاماً كمواطن لبناني مشفق على وطنه الذي يحب أن أقول لـ"حزب الله": لا تدمروا لبنان كما فعل أخوانكم السنة سابقاً، واتعظوا بالتاريخ القريب فهو خير واعظ، واعلموا أن الدفاع عن "دولة آل البيت" التي تراود أحلامكم الوردية من خلال الساحة اللبنانية وفي وطن التسع عشرة طائفة، لن يكتب له النجاح، فساهموا مع بقية اللبنانيين في إلغاء "لبنان الساحة" وبناء "لبنان التعايش" اللامنحاز لأحد، فيكفي وطننا ما دفع من ضريبة عن الآخرين. اللهم قد بلغت.

(*) مواطن

 

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->