|
أوجه معارضة .. تلامس "الخيانة الوطنية العظمى"
نقولا نصر(*) الأزمة السياسية، الطارئة والمفاجئة، التي أطلت على لبنان منذ عشية حرب تموز 2006، حان وقت النظر الى حقيقتها، من دون مواربة أو نقصان. ولم تعد القصة قصة معارضة وموالاة، بل تخطت كل الأطر، التي تحكم نظام لبنان الديموقراطي البرلماني، وكل المقاييس الأخلاقية، بحيث راحت المعارضة، المسماة لبنانية، منذ البداية حتى اليوم، ويوماً بعد يوم، تتآمر تصاعدياً على الجمهورية وثوابتها، هكذا بكل بساطة، وهو أمر تستدعي مواجهته بشجاعة، كي يستعيد لبنان وضعه الطبيعي على مختلف الصعد.
ليس صحيحاً على الاطلاق أن هناك في لبنان منذ 3/9/2004، تاريخ التمديد المشؤوم، حتى اليوم، رئيس جمهورية يستحق فعلاً هذا المنصب، لماذا؟ لأنه يمعن في شرشحة البلد المؤتمن عليه، عبر مجمل أفكاره الشخصية، عدم ممارسة صلاحياته وفق الأصول، وابتكار صلاحيات له غير موجودة أصلاً. وهو تحول من حكم الى فريق يهوى زرع الانقسامات، بتحامله المجنح على مجلس الوزراء، الذي هو سلطة قائمة في حد ذاتها، على مجلس النواب، الذي هو من حيث المبدأ أبوه وأمه، وعلى الأكثرية صاحبة القرار النافذ، شاءت أم أبت الأقلية المعارضة، وهو مغامر متآمر على أمن لبنان. في الخامس من الجاري، نطق بكلام، عبر مقابلة أجراها معه التلفزيون الأميركي اللاتيني والكوبي، يلامس الخيانة الوطنية العظمى، حيث أعلن تمسكه بسلاح "حزب الله" ومقاومته، "حتى يتحقق السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة".
هل أمن لبنان مرتبط بهذا السلام الشامل؟. ليدلّنا هذا الرئيس القاصر على رئيس دولة عربية أخرى، يعرض بلده بهذا الشكل للخطر الدائم. ولو! أيجهل أن سيّده بشار الأسد مثلاً لا يسمح بهذه السياسة المجنونة، حيث لا مقاومة في الجولان المحتل، منذ العام 1974 حتى اليوم؟
أطلّ علينا أمين عام "حزب الله"، في خطاب ألقاه في الثاني من الجاري، كي يحدثنا فقط عن هزيمة إسرائيل في حرب تموز، مبدياً اعجابه بتحقيق "لجنة فينوغراد". صحيح أن "حزب الله" ألحق خسائر بعدو العرب. لكن لماذا يتجاهل كلياً الكارثة التي حلّت بلبنان؟ قال إن "القيادات الإسرائيلية جديرة بالاحترام؟ لكن أين هو الاحترام الذي خصّ به هو بلده؟ وبدل أن يحاسب نفسه، ويحاسب حزبه، راح ينتقد الأكثرية النيابية والحكومة، لأنها لم توقع على مغامراته.
بالأمس كان ميدان هذا الصراع الجانبي مركزاً على موضوعي حكومة ومحكمة، وهو تحول اليوم الى عنصر استقواء في معركة الاستحقاق الرئاسي. يريدون الرئيس المقبل نسخة طبق الأصل عن لحود، الحاضن لكل سلاح غير شرعي. سأل أحدهم: "لماذا لا تقبلون بميشال عون رئيساً توافقياً؟ ميشال عون الفريق؟ جميل جداً أن يتحول هذا الحزب الناشئ، غير المجرب سياسياً، الى تحديد المرشحين الأفضل لموقع رئاسة الجمهورية المارونية.
ما زال رئيس مجلس النواب نبيه بري يتصرف، منذ 11/11/2006 كمستقيل فعلاً من منصبه. هو مداوم على اعتصامه في "عين التينة"، وعلى إقفاله المجلس. لم يبقَ من الدورة الحالية، التي بدأت في 20 آذار الماضي، الا أسبوعان. والمجلس باقٍ مقفلاً، يتصرف فقط كرئيس لحركة "أمل"... وما دامت الحال كذلك، لماذا لا يخلي موقع الرئاسة الثانية؟ يتهم حكومة الرئيس السنيورة الدستورية بـ"البتراء"، وهو اللاغي كلياً للمجلس الذي يرأسه.
في أي بلد ديموقراطي في العالم، تجري الانتخابات الرئاسية في جو سليم،
عندما يتم التقيد بالأصول الدستورية والقانونية، حيث يكون هناك تنافس
بين عدة مرشحين. لكن الاستحقاق الرئاسي، موضوع الساعة، يجري التعامل
معه بطريقة لا تحكمها أي ضوابط. فالبارز، في السجالات الدائرة حوله، ليس استعداد جميع النواب للمشاركة في جلسة أو جلسات انتخاب الرئيس، بل سلوك المعارضة خط التعطيل، نصاباً أو عبر طروحات أخرى، لا وجود ولا مكان لها في الدستور اللبناني. فبدل قرع المعارضة طبل التعطيل، الطاغي عليها، عبر الإصرار على "كعيوة" الثلثين (والمادة 49 من الدستور هي في غاية الوضوح، إذ أنها لا تنص على أي نصاب معيّن لجلسة الانتخاب، بل تنص فقط على طريقة الانتخاب: حصول المرشح على ثلثي الأصوات في الدورة الأولى، ثم على النصف زائد واحد على الأقل في الدورة الثانية أو الدورات اللاحقة)، لماذا لا يحضر جميع النواب تلك الجلسات؟ وكان هذا الأمر يحصل تلقائياً عبر الاستحقاقات الرئاسية السابقة. هذا السلوك الايجابي يدل وحده على النوايا الحسنة، ويعفي البلد من خضات لا معنى ولا مبرر لها.
وفي جو "الخرطشة" والتهويل، استسهل الهروب من المجلس النيابي، واستبدله بوسيلة أخرى للوصول، داعياً الى استفتاء شعبي أو الى انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب "ولمرة واحدة"، تلبية لرغبات شخصه الكريم، الذي هو متأكد باستحالة تحقيق طموحه عبر مجلس النواب، الذي ترفضه أكثريته.
هذه المناطق، التي يحتال عليها ويتاجر بها، لا بد أن توجه له ضربة موجعة في الوقت المناسب. هذه المناطق كانت الحصن الحصين لرواد الاستقلال الحقيقيين، لحزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار والقوات اللبنانية والكتلة الوطنية... ولا مكان فيها لحلفاء سوريا الأشاوس، أو لمقاومة "حزب الله".
معارضة ينحصر همها في ضرب النظام اللبناني وتدمير الدولة اللبنانية. لا أفق سياسياً لها ولا برنامج يفيد الوطن. بل تلامس تحركاتها طابع الخيانة الوطنية العظمى.
|