|
تداعيات حرب تموز ومستقبل الاجتماع اللبناني
الفيدرالية ليست حلاً
أحمد القرق(*)
لا يمكن فصل تصاعد الحديث الدائر عن الفيدرالية اليوم، عن السياق العام
الذي انتهت إليه نتائج وتداعيات الخطوة المنفردة، التي قامت بها قوى
ائتلاف الثامن من آذار، وعلى رأسها حزب الله في الثاني عشر من تموز
2006، حيث أفضت هذه الخطوة وما تلاها، من رد اسرائيلي مدمر، استهدف
سائر اللبنانيين في أرواحهم وفي أرزاقهم دونما تمييز، الى اتساع الهوّة
التي كانت قد بدأت تفصل ما بين الطوائف والفئات اللبنانية المختلفة، في
رؤاها وفي توجهاتها، لناحية الحاضر والمستقبل، فبدأت الأسئلة المضمرة
الساكنة في العقول والقلوب، بالتواتر والظهور من جديد، معبرة عن عمق
الوهدة التي باتت تؤشر الى الشرخ الكبير، الذي أصاب عرى الاجتماع
اللبناني ما بعد حرب تموز، بهذا المعنى ونتيجة للخوف المبرر الذي بدأ
يصيب الأغلبية من تبعات سياسة التهور، الناتجة عن ثقافة عودة الحياة
الى أطروحات التقسيم والفدرلة بعد طول موات واختفاء، لا يثير في الوقت
الراهن، أدنى استنكار أو استغراب، والسبب بسيط وواضح، وهو علامات اليأس
العام المتولدة عن عدم إمكانية المواءمة والتوفيق ما بين إرادة الحياة
لدى القسم الأكبر من الطوائف اللبنانية، وبين النزوع الدائم الى طلب
الموت الذي تحاول تعميم ثقافته وتداعياته على اللبنانيين، قلة متحكمة
ترى في الاستشهاد سبيلاً وحيداً يوصل الى الجنة.
ضاعف عدم اكتراث حزب الله بالأضرار المادية والنفسية التي لحقت
باللبنانيين، أثناء حرب الصيف الفائت، وتجاوزه ذلك الى ما هو أصعب
وأدهى، عبر محاولته إسقاط الحكومة وتعطيل المؤسسات الدستورية، من رصيد
الخوف المتجمع لدى الفئات اللبنانية، التي لا تشاطر الحزب المقاصد
والتوجهات، فأضحى التوهم بإمكانية النجاة بواسطة التقوقع والانزواء،
شرطاً متخيلاً يقي أبناء الجبل وكسروان وعكار وبيروت، وباقي المناطق
التي لا تدين بالولاء الى أيديولوجيا الممانعة، تبعات مطلق عملية
عسكرية قد يوحي بها محور الممانعة الاقليمي، فيجنبهم ويلات ردود الفعل
الاسرائيلية.
يبرز في هذا المجال، الاعتقاد الخاطئ الذي يعتنق أصحابه، فكرة الافتراض
المسبق، القائل بأن الخيار الفيدرالي هو الخيار الأمثل الذي سيتيح
الابقاء على شروط ديمومة وألق وأنموذج الحياة الاثني، بإزاء المخاطر
التي يولدها نمط العيش الاسبارطي الموازي، على ضوابط ومميزات الصيغة
اللبنانية، يمكن القول في هذا المجال وبمناسبة الرد ومحاولة التعقيب
على هذا الكلام، ومع الاحتفاظ بقرينة "البراءة" وافتراض توفر عنصر حسن
النية، في واقعة الفعل المعبر عنه بالدعوة الى اعتماد صيغة حكم بديلة
في لبنان، بأن الفيدرالية ولأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، لن تشكل حلاً
للمشاكل والمعضلات المثارة اليوم في لبنان، إن لجهة الشكل أو حتى في
المضمون، فلجهة الشكل لا تستثير صيغة الاجتماع اللبناني، لناحية
التساكن والعيش المشترك، القائمة ما بين الطوائف والجماعات الشاغلة
لمساحة الجغرافيا اللبنانية، أية إشكاليات تتصل بنصاب الأزمات المنفتحة
على قضايا الهوية والانتماء، فلطالما كانت التعددية الطائفية والثقافية
مصدر غنى، يرفد عرى الوحدة الوطنية اللبنانية، بعوامل الصمود
والمقاومة، إزاء المحن والأزمات، التي كان وما زال يصدرها إلينينا هذا
الشرق المريض، هذا في الشكل، فماذا عن المضمون.
في المضمون، يخفي الكلام المتجدد عن الفيدرالية في هذا الظرف، نية
مبيتة تستهدف الانقلاب على ما تحقق غداة استشهاد الرئيس رفيق الحريري
في الرابع عشر من شباط 2005، وعلى ما استجد من تطور في التوجه
والعقيدة، لدى القسم الأكبر من المواطنين اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين،
تجاه مطالب الحرية والسيادة والاستقلال، بحيث يمهد الترويج المنظم،
الذي يزين لفكرة التجزئة والتقسيم المتدثرة برداء الفدرلة، الهدف
الأساس الذي يروم أصحابه، صرف الأنظار عن مكامن الخلل الحقيقية،
المتشكلة من التماس المباشر الذي يوحد ما بين "الأمل" بتحقيق حلم الضم
والالحاق الاقليمي المزمن، ومطمح الهيمنة الداخلية لفريق يرى في
"المقاومة" الأبدية شرط بقاء واستمرار.
إن جوهر الأزمات التي تنغص على اللبنانيين عيشهم في هذه الآونة، يتمثل
في إصرار مثلث الأزمات الاقليمي، بالتكافل والتضامن مع أطراف داخلية
بعينها، على ترسيخ مفهوم البلد ـ الساحة، المعدة أرضه لكي تكون منصة
لإطلاق الصواريخ على اسرائيل، خدمة لمشروع المشاغبة الاقليمي، الساعي
الى إنضاج ظروف التسوية مع الغرب والمجتمع الدولي على حساب اللبنانيين.
بهذا المعنى فإن اعتماد الفيدرالية لن يغير من هذا الواقع، فمن
المعروف، بأن الكيانات الفيدرالية أو الكونفدرالية، هي وحدات إدارية
شبه سياسية، تتمتع فيها الجهات والسلطات المحلية باستقلال ذاتي، تقتصر
مفاعيله على قضايا الأمن الداخلي والثقافة والاجتماع، وعلى نوع محدد من
الولاية النسبية على القضاء، بالاضافة الى مسائل التنظيم البلدي
والانماء، مع بقاء سلطة الدفاع والسياسة الخارجية، حقاً حصرياً تحتكر
التصرّف به السلطة المركزية، فكيف سيتم التصرف تجاه إصرار حزب الله على
الاحتفاظ بسلاحه، وعلى الاستمرار في "مقاومته"، في حال اعتماد "الخيار"
الفيدرالي؟ وأكثر من ذلك، كيف سيكون شكل التصرف الذي سوف تلجأ إليه
اسرائيل، في حال قيام "المقاومة" بعمليات عسكرية تتجاوز حدود
"إقليمها"؟ هل "ستتعفف" فتحجم عن الرد على عاصمة الحكومة المركزية
باعتبارها غير مسؤولة، أو تلجأ الى تطبيق أحكام القانون الدولي
ومعاهدات الحرب، فتقوم باستهداف مقرات "السلطة الفيدرالية" باعتبارها
مسؤولة عن تصرفات أقاليمها التي لا تتمتع بالسيادة.
لا تصعب الاجابة عن هذه التساؤلات، فالعودة الى أحكام القانون الدولي
العام، والى الخصائص العامة التي ترعى عمل النظم الفيدرالية، والى
أنماط العلاقات الكلاسيكية الناظمة لأطر التبادل والتنظيم، التي تقوم
ما بين السلطة المركزية من جهة، وما بين أقاليمها المؤلفة للكيان
الفيدرالي المتحد من جهة أخرى، تجعل من الحكومة المركزية جهة مسؤولة
دون لبس، عن الأفعال الصادرة أو المقترفة ـ والتي تتعلق "بحقوق"
الأطراف الثالثين، الصادرة عن أحد أقاليمها.
لا تشكل الدعوة الى اعتماد الفيدرالية التي يعمل على وضعها في سوق
المزايدة والتورية، صرفاً للأنظار عن المطالب الجدية للبنانيين، حلاً
معقولاً يستنفد طاقة الموجات الارتدادية التي تضرب بين وقت وآخر، جدار
الوحدة الوطنية الذي يسند البعد العاطفي القائم ما بين اللبنانيين. إن
الحلول الحقيقية لسائر العناوين الخلافية المتلبسة زوراً، لبوس
المشاركة والخوف على حقوق المسيحيين أو المسلمين، تكمن في ضرورة البدء
بالتصدي لمظاهر الانقلاب على الصيغة، فيعمل على تحقيق هدف الفوز
بالسيادة الداخلية، عن طريق إنجاز وتأمين حق الدولة، باحتكار ممارسة
العنف وحصرية امتلاك السلاح، بعدما كان قد تحقق للبنانيين، بفضل من
تضحياتهم واتحادهم في الرابع عشر من آذار، حلم جلاء جيش الوصاية عن
أرضهم.
عودة
لزاوية مساحة حرة
|