|
الشعبوية
العونية ولحظة أيلول
بسّام ضو(*)
منذ العام 1988، يعاني
"الجنرال" ميشال عون من مأزق الدور، والموقع، والمشروع، وأسلوب الخطاب
السياسي. آنذاك لم تجرِ الانتخابات الرئاسية، فترأس حكومة عسكرية،
تحوّلت سريعاً إلى نصف حكومة، ثم ما لبثت أن انحصرت واقعياً بشخصه
"المفرد" الذي يعجز عن أن يكون في صيغة "الجمع". وبعد ذلك تبنّى خطاباً
شعوبياً ما زالت نتائجه تتوالد حتى هذه اللحظة بعد تسعة عشر عاماً.
وإذا كنّا موضوعياً لا ننكر أبداً أن الخطاب الشعبوي استقطب جمهوراً
واسعاً، ولا سيما في صفوف المسيحيين، فإننا لا نغفل أن هذه "الشعبوية"
العونية، عجزت عن تقديم خطاب سياسي للبنانيين جميعاً يوازي ما تطرحه من
شعارات كبيرة حول الدولة الحديثة، وحول الديموقراطية، وبناء المؤسسات،
وغرقت في تقلّباتها وتناقضاتها، فما كانت ترفضه سابقاً تحت عنوان
الإلتزام بالدستور، ورفض نهج التعديل الشخصاني، باتت هي نفسها اليوم،
تطلق الدعوات إليه تحت عنوان برّاق هو العودة إلى المرجعية الشعبية في
معركة الانتخابات الرئاسية التي سيشتدّ أوارها أسبوعاً بعد أسبوع،
كلّما اقترب موعد الاستحقاق في الخريف المقبل الذي تمتزج فيه المخاوف
مع الآمال المستلحقة في أن يكون أو لا يكون "خريف الجنرال"، إذا
استعرنا ـ مع فارق المضمون ـ عبارة غابرييل غارسيا ماركيز في روايته:
"خريف البطريرك".
مأزق الشعبوية العونية ما زال يستجرُّ نفسه من تلك اللحظة الدرامية على
أدراج بعبدا، عندما كانت الخطبة تتمحور بأسلوب رومانسي حول شخصية
"البطل الملحمي"، وباتت اليوم أسيرة عقدتها الرومانسية التي تجعلها ترى
"البطل" في دور "الرئيس" فقط، هو وحده المؤهل، القوي، القادر، الطاهر،
الثائر، منقذ الجمهورية. هذه الأحادية المتحرّكة في إطار الشعبوية
الملتبسة بالديموقراطية هي التي تدفع إلى طرح مقولات غير سياسية
بالمعنى العلمي الدقيق للكلمة، أي إنها من نوع الرومانسية غير القابلة
"للتحقق في زمانٍ ومكانٍ معيّنين"، مثلما هي من نوع الرومانسية
المعبّرة عن مأزق سياسي موضوعي.
أليست هذه هي الحالة بالضبط عندما نسمع "الجنرال" يدعو إلى انتخابات
رئاسية مباشرةً من الشعب؟. لا نجادله في حرية رأيه، فحرية الرأي من
المقدّسات الديموقراطية، ولا نجادله في فكرة الاحتكام إلى الشعب، إذ لا
يوجد ديموقراطي حقيقي واحد يرفض المرجعية الشعبية، ولكننا نجادله في
المعنى السياسي لطرح هذه الفكرة الآن، وفي التوقيت السياسي، وهو يعرف
سلفاً أن الانتخابات المباشرة لرئيس الجمهورية من الشعب غير ممكنة
دستورياً، ويعرف حتماً أنّ النظام الرئاسي في لبنان غير موجود، وأن
تعديلات 1990 بموجب اتفاق الطائف كرّست الميزة البرلمانية للنظام
السياسي، وجعلت السلطة التنفيذية منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، ويعرف
أيضاً وأيضاً أنّ الدستور اللبناني لا يتبنّى نظرية الاستفتاء، وأن أمر
انتخاب رئيس الجمهورية محصور بمجلس النواب، فأين يذهب بكل هذه الحقائق؟
وهل تكفي تصوّراته الرومانسية التي يخاطب بها جمهوره والآخرين ـ هل
تكفي ـ لإلغاء هذه الحقائق؟ أم هل يريد الانقلاب عليها؟ ويريد أن يعدّل
الدستور على قاعدة "لمرّة واحدة فقط" من أجل شخصه؟ وهو الذي كان ينتقد
دائماً في السنوات الماضية التعديلات الدستورية ذات الأهداف الخاصة؟
وهذا، فضلاً عن أن اللبنانيين أصبحوا في ذروة الاشمئزاز من نظرية
"لمرّة واحدة فقط" التي تسبّبت بانحرافات كارثية جرّت الويلات تلو
الويلات.
إنّ الشعور بالمأزق، والإحساس بأن الانتقال من دور "البطل" إلى دور
"الرئيس"، أمرٌ صعب، كي لا نستبق الأمور فنقول: انه مستحيل، هو الذي
يدفع إلى مثل هذه المواقف، وهو الذي يؤدي إلى سرعة انكشاف التناقضات
داخل الشعبوية العونية حتى ولو بدأت مؤخراً تكثر من دغدغة مشاعر
جمهورها المسيحي تحديداً من خلال الحديث عن دوره في الاستحقاق الرئاسي.
(يقول جبران باسيل: "إنّ كل ما نقوم به يهدف لإعادة الاعتبار لدور
المسيحيين، ولإعطائهم الدور الأساسي في الاستحقاق الرئاسي" ويبرّر
اقتراح "الجنرال" بالانتخاب المباشر "بأنه مرتبط بحالة تعذّر التوافق"
ولكنه ينسى ـ أو يتناسى ـ أنّ العرف السياسي في لبنان يحتّم أن يكون
رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ولكنّ انتخابه يجب أن يكون لبنانياً،
وهذه النقطة شديدة الأهمية في بلدٍ مثل لبنان يقوم على سلسلة توازنات
داخلية دقيقة).
وعندما ندقّق في آلية هذه الدعوة إلى انتخابات رئاسية مباشرة من الشعب،
في حال لم يتمّ التوافق بحسب المصطلحات الشعبوية العونية، نكتشف بسهولة
أنها تعبير عن منحى سياسي يستظلّ بالشعار الديموقراطي لكي يغطي على
مأزقه بعد أن حصر نفسه في هدف التحوّل من "البطولة" إلى "الرئاسة"،
وهذا ما لم يعدْ خافياً على أحد.
إنّ الشعبوية العونية، مثلها مثل أي شعبوية أخرى، ستصل إلى لحظة ما،
تعي فيها نفسها وواقعها، وهذه اللحظة لا مفرّ منها، وعندئذٍ تقترب من
الواقعية الموضوعية، فتعمل بهدوء، وتطرح ما يمكن النظر إليه على أنه
مقولة سياسية لا رومانسية. أما الاستمرار في طرح الانتخابات الرئاسية
المباشرة، أو الاستفتاء، فإنّه يطعن بقصد أو بغير قصد في التوازنات
اللبنانية، ويحوّل النظام البرلماني ـ برغم الأخطاء في تطبيقه ـ إلى
نظام رئاسي، وهذا بحدّ ذاته يشكل انقلاباً على اتفاق الطائف.
تلك اللحظة الآتية، قد تكون في أيلول المقبل حيث تبدأ المرحلة
الدستورية للانتخابات الرئاسية، وستكون مفصليّة حتماً بالنسبة إلى
الشعبوية العونية كونها هي نفسها أسرت نفسها في الحراك المتقلّب من أجل
الانتقال من دور "البطل" إلى دور "الرئيس" فقط.
(*) كاتب سياسي
عودة
لزاوية مساحة حرة
|