ماذا يعني نقض الإجماع حول النقاط السبع؟!

 

فادي شامية (*)

في 5 آب 2006 عقد مجلس الوزراء جلسة برئاسة الرئيس إميل لحود، جدد فيها "تمسكه بإجماعه وإجماع سائر اللبنانيين على النقاط السبع التي طرحها رئيس المجلس فؤاد السنيورة في مؤتمر روما"، وعلى إثر انتهاء جلسة مجلس الوزراء إياها، قال الوزير في "حزب الله" محمد فنيش: "مجلس الوزراء متفق على آلية اتخاذ القرار، وهو مجمع على النقاط السبع بحسب المناقشات التي جرت في مجلس الوزراء. هذه هي النقاط التي أجمعنا عليها، ونقارن بينها وبين ما يُطرح في مجلس الأمن، ونأخذ بما يتناسب معها"، وفي اليوم التالي أي في 6 آب طالب رئيس مجلس النواب نبيه بري وزراء الخارجية العرب الذين سيعقدون اجتماعهم في بيروت في 7 آب بموقف عملي لإنهاء الحرب قائلاً: "هل أنتم مستعدون لأخذ موقف لإنقاذ لبنان عبر تطبيق خطة البنود السبعة أم المطلوب ان يبقى الجرح اللبناني نازفاً؟" وفي 9 آب وجه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله كلمة الى اللبنانيين قال فيها:

"أدعو الحكومة اللبنانية الى مزيد من الصمود السياسي وإلى التمسك بخطة النقاط السبع التي اجمعنا عليها كلبنانيين لأن اي تجاوز لبنود هذه الخطة التي اعتبرت في رأينا تحفظ الحد الادنى من الحقوق الوطنية والمطالب هو خروج على الاجماع الذي كنا جميعا حريصين عليه في كل المراحل السابقة"، وفي 11 آب قال الرئيس إميل لحود "إن مشروع النقاط السبع الذي تقدم به لبنان، وقرار إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، هما ركيزة مهمة لحل الازمة الحالية، ولكن في المقابل، كل ما يقدمونه لنا هو الفيتو الاميركي". يضاف إلى كل ذلك التأييد الصادر عن أكثر من اجتماع ومرجع في لبنان، وفي ذلك يقول الرئيس نبيه بري في تصريح آخر له: "اذا كانت القمة الإسلامية أجمعت على تأييد مشروع النقاط السبع، وأيضاً القمة الروحية المسيحية ـ الاسلامية باحتضان البطريرك صفير لها، وإذا كانت كل الاحزاب وكل القوى في 14 شباط أو في 14 آذار أو في 8 آذار أجمعت عليه، وإذا كانوا يريدون آذار جديداً لدعمه فلا مانع عندنا. لذلك فإن وزراء الخارجية العرب قادمون الى بلدهم كي يؤيدوا هذا المشروع من أجل انقاذ لبنان بتطبيق هذه النقاط".


نقض الإجماع

بعد تسعة أشهر من الإجماع المثبت على النقاط السبع، أعلن الوزير المستقيل محمد فنيش في 6/5/2007 أنه "لم يتم الاتفاق يوماً على النقاط السبع" وأضاف بتاريخ 8/5/2007 قائلاً: "إنّ النقاط السبع بدأت حكايتها عندما زارت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لبنان في الأسابيع الأخيرة ما قبل انتهاء عدوان تموز وطرحت مجموعة من النقاط بعنوان مبادرة حل"، أما الجوقة المحيطة بـ"حزب الله" كأمثال وئام وهاب وأضرابه، وعلى إيقاع معزوفة التخوين المشروخة، فقد نصحت صراحة بأن تُرمى هذه الخطة في سلة المهملات. وهكذا صار المطلوب "نسيان" الخطة التي كان اللبنانيون جميعاً يناشدون العالم القبول بها!.


ورغم صراحة تأييد النقاط السبع من رموز المعارضة الحالية كافة، فإن "حزب الله" يبرر رفضه لهذه النقاط بأنها لم تكن لتقر لولا الضغوط التي تعرضت لها الحكومة أثناء الحرب، وحاجة هذه الحكومة إلى موقف لبناني مجمع عليه يوقف النار والدمار، وأن الوزراء الشيعة المستقيلين "وافقوا على أخذ العلم بالخطة وليس على الخطة نفسها لأن المناقشة ستكون في مجلس النواب"، واستطراداً فإن صدور القرار 1701 ألغى هذه الخطة، واستنفد أغراضها.


وفي الحقيقة فإن نفض "حزب الله" يده من هذه الخطة، كان مسبوقاً برفض سوري واضح للنقاط السبع، وقد حاول الرئيس إميل لحود ترجمته واقعاً من خلال محاولته شطب الإشارة إلى هذه النقاط السبع من قرارات القمة العربية التي انعقدت في الرياض اخيراً، لكن هذه المحاولة قوبلت بمعارضة عربية، وبإحجام أطراف معارضة في مقدمتها الرئيس نبيه بري عن تقديم الدعم لهذه الخطوة.


تبريرات الوزير المستقبل فنيش تعني أن "حزب الله" وافق "مكرهاً" على النقاط السبع حفاظاً على الجبهة الداخلية زمن الحرب، وأن من حقه إعلان موقفه الحقيقي بعدما هدأت نيران المعركة، و"حسم تقرير فينوغراد النصر"، وهو تبرير من الممكن أن يكون مقنعاً لو أن الأمر يتعلق بموقف سياسي مجرد، لكن الحالة هنا أن القرار 1701 الذي يقول "حزب الله" ـ إلى الآن ـ إنه موافق عليه، قد انبنى على خطة النقاط السبع. وبمعنى آخر، فإن توقف الحرب وصدور القرار 1701 معدلاً بعد ضغط عربي ودولي كبيرين، وكذلك إرسال الجيش إلى الجنوب، وهبّة عدد كبير من الدول لنصرة لبنان والوقوف إلى جانبه. كل ذلك لم يكن ليحصل لو لم يكن لبنان مجمعاً على النقاط السبع.

 

أما القول بأن نواب "حزب الله" هدّدوا بالاستقالة حينها، فكان الحل ـ المخرج بأن "يأخذوا العلم بالخطة"، على أن تناقش لاحقاً في مجلس النواب، فمعناه أخطر، لأنه لا ينبغي، والحال هذه، أن لا يصدر عن "حزب الله" طوال هذه المدة ما يشير إلى هذا الأمر، فضلاً عن أن يصدر ما يفيد عكس ذلك، فأيّ صدقية تبقى لـ"حزب الله" إذا كان لمواقفه المصيرية معنيان، أحدهما ظاهر وآخر باطن.


ثمة مبرر آخر يطرحه بعضهم في معرض التساؤل عن جدوى أي حوار قادم ما دامت الخطة المذكورة قد حسمت نتيجته سلفاً، وكأن المطلوب وفق هؤلاء أن نعود إلى الحوار من نقطة الصفر، متجاهلين الإجماعات السابقة وبينها النقاط السبع، علماً بأن هذه النقاط لم تتطرق إلى الآليات التي ستؤدي إلى "حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية، كما نص اتفاق المصالحة الوطنية في الطائف"، إذا كان هذا هو المقصود من التساؤل.


نتائج خطيرة

في المحصلة، فإن في الموقف المستجد لـ"حزب الله" تطابُق مع الموقف السوري الذي يربط ترسيم الحدود بالجلاء الكامل عن الجولان، وفق الرسالة التي كان قد بعث بها رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري إلى نظيره اللبناني نهاية العام 2005 بواسطة الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري نصري خوري، والهدف هنا واضح وهو تعطيل إمكانية استعادة المزارع من خلال الأمم المتحدة، والإضافة النوعية لـ"حزب الله" تتمثل بإفقاد الحكومة ـ التي كان جزءاً منها حينها ـ لصدقيتها أمام العالم، وتالياً التهديد الجدي للتقدم الحاصل على خط استعادة المزارع.


وثاني هذه النتائج تهديد كل ما بني على خطة النقاط السبع سواء إرسال للجيش إلى الجنوب، أو تعزيز اليونيفيل وتوسيعها، أو القرار 1701 الذي لا يُستبعد بعد المواقف الأخيرة لـ"حزب الله" أن يصدر ما ينم عن تفسير جديد له.


ثالث هذه النتائج إقفال الباب من جانب "حزب الله" أمام أي إمكانية لبحث مسألة سلاحه في إطار "الاستراتيجية الدفاعية"، لأن مبدأ هذه الاستراتيجية يقوم على الاستفادة من قدرة المقاومة وسلاحها، دون أن يعني ذلك الاستقلالية والتفرد بقرار السلم والحرب، ولا سيما إذا ربطنا هذا الاستنتاج بالمواقف الأخيرة للشيخ نعيم قاسم التي نصح فيها الأكثرية بأن "تبلّ" أوراق الاستراتجية الدفاعية "وأن تشرب ماءها"، ومواقف الرئيس إميل لحود الرافضة للحديث عن سلاح المقاومة قبل حل أزمة الشرق الأوسط وانتهاء العداء لإسرائيل، معطوفاً عليها تصريحات الداعية فتحي يكن التي وصلت إلى حد المطالبة بنزع سلاح إسرائيل قبل الحديث عن سلاح المقاومة!.


أما رابع هذه النتائج، فنسف ما تبقى من ثقة بين الأطراف اللبنانية، بعدما تبين أن نقض أحد أهم الأوراق التي أجمع عليها اللبنانيون مسألة لها ما يبرّرها!.

(*) كاتب في الشؤون الاسلامية

 

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->