تقرير لجنة "فينوغراد" النصر المهدى من الأعداء

 

شادي علاء الدين(*)

طرفان يقولان إن "حزب الله" قد انتصر في الحرب التي جرت في الصيف الماضي هما العدو الاسرائيلي و"حزب الله". اطراف لبنانية كثيرة ليست جميعها احزاب سياسية تقول انه ليس المهم ان يكون "حزب الله" انتصر ام لا المهم هو كلفة هذا النصر وما يترتب عليه من مسؤوليات وما يستتبعه من عناوين. تقرير فينوغراد اعتبره "حزب الله" تأكيدا لنصره واجبر السيد حسن نصر الله على احترام العدو الصهيوني في حين ان تضحيات الشعب اللبناني ووقوفه صفا واحدا حكومة وشعبا الى جانب المقاومة في لحظة الحرب وذلك على الرغم من الخلاف السياسي الحاد الذي كان يميز علاقة "حزب الله" بالعديد من الأطراف لم تجبره على ذلك. وافق الجميع في لحظة الحرب على اعتبار "حزب الله" مقاومة فقط وتم اقصاء المشروع السياسي الخلافي الذي يحمله من التداول لان ذلك من شأنه اضعاف موقفه الذي اعتبر حاملاً للموقف اللبناني. ان يكون النصر مؤكداً من العدو الذي يعاني فذلك امر يطرح العديد من التساؤلات. ماذا تريد اسرائيل من هذا التقرير في هذه اللحظة الذي يعاني فيها "حزب الله" من العديد من الضغوط داخلياً وعربياً اضافة الى سوء ظن المجتمع الدولي به وبمشروعه فاذا به يسمح له باعادة انتاج خطابه الذي بدا في الآونة الأخيرة خشبياً وفارغاً من المضمون. لم يقتصر الأمر على الخطاب السياسي فقط بل ان المفاعيل الانقاذية اذا صح التعبير تعدت ذلك الى احياء الفكر الاتهامي والتخويني الذي يطاول اطرافا لبنانية وعربية.


كل هذا جعل من التقريرالاسرائيلي الذي جاء استجابة لما ارساه المجتمع الاسرائيلي من أعراف وقوانين يرى في المحافظة عليها صيانة لكيانه وحفاظا على استمراريته يبدو وكأنه يدفع في اتجاه الافكار التي يطلقها "حزب الله" في كلامه الخلافي حول النصر وما تبع هذا الكلام من محاولة فرض مشروع سياسي خاص ادخل البلاد في دوامة سوداء توازي بل تتفوق في الكثير من تفاصيلها واحالاتها على ما أدى اليه العدوان الاسرائيلي.


اللافت ايضاً ان "حزب الله" في ربط موضوع توكيد انتصاره بتقرير يصدر عن جهة اسرائيلية قد خالف كل ما ارساه من قواعد العمل السياسي اذ انه دأب على اعتبار اعتماد اي طرف لبناني على معلومات او مقاربات تأتي من الجانب الاسرائيلي مدخلاً مناسباً يتيح ادراج الشخصية أو التيار السياسي الذي قام بذلك تحت عنوان الخيانة فاذا به الآن لايكتفي بالاعتماد على مقاربة اسرائيلية لتكون اساساً يبني عليه عناوين نصره الالهي بل يتخذ منها حجة ودليلاً قاطعاً يستعمله ضد الفريق السياسي اللبناني الذي يخالفه الرأي. لم يعمد أي طرف لبناني في كل هذه الفترة التي احتدم فيها الصراع ووصل الى حدود كارثية الى مثل هذا التوظيف لقراءة اسرائيلية في سجال داخلي. الطرف الوحيد الذي فعل ذلك هو "حزب الله" وهو الطرف الذي بنى كامل حضوره السياسي على الساحة اللبنانية انطلاقا من العداء الراديكالي لاسرائيل وكان هذا العنوان هو المفتاح الاساسي الذي أتاح له الولوج الى الساحة اللبنانية المتنوعة والتي لم يكن من الممكن ان يشق لنفسه طريقا خاصا داخلها اذا اكتفى بالعنوان الفقهي.


هذا الاحتفاء بتقرير فينوغراد غير مفهوم الا من خلال العودة الى مفاصل معينة من سيرة الحزب الذي بات واضحا الآن بناء على سلسلة تراكمات ان التطرف العسكري والسياسي في اسرائيل ووصول الصقور الى الحكم هو هدف يسعى الحزب الى تحقيقه من اجل ابقاء حالة الحرب المستمرة التي هي المبرر الوحيد لوجوده قائمة وحية.


من هنا قام الحزب اثناء فترات نشاطه السابقة بالقيام بعمليات عسكرية محددة في توقيت معين اثناء الانتخابات الرئاسية الاسرائيلية ساهم في زيادة مخاوف الشعب الاسرائيلي وأثر على الاتجاه العام مما اتاح آنذاك لنتنياهو المتطرف الوصول الى سدة الحكم وبدء سلسلة متتالية من الحروب. الدفع الذي يمارسه الآن بالنسبة لتقرير فينوغراد يصب في الاتجاه نفسه وهو دفع القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية الى اتخاذ قرارات متطرفة ثم تحميل مؤسسات الدولة اعباء قاسية ربما تفوق طاقتها. هكذا يتم العمل على خطين متوازيين يتعلق الأول بحصد ما أمكن من التأييد الشعبي اللبناني الذي يتعاطف مع موضوع المقاومة بغض النظر عن الطرف أو الجهة التي تمارسها أو على الأقل يتمكن الحزب من اعادة تعبئة جمهوره الذي بات واضحاً ظهور علامات التململ في صفوفه وخاصة ان الازمة المتفاقمة في البلد تصيبه هو أيضا.

 

الأمر الثاني يتعلق باضعاف كامل المؤسسات في البلد التي لا يمكن للدولة ان تمارس مهامها الا من خلالها وبث حالة عامة من عدم الوثوق بالدولة وشكل الحكم القائم في محاولة لدفع الناس الى التفكير في الخيارات التي يقدمها الحزب تحت سيف الابتزاز والتهديد بادخال البلاد في حالة من الضياع والتشتت. كل هذا يترافق مع ابراز الحزب لمؤسساته بوصفها بديلا عن الدولة واعطاء جرعات اموال وتقديمات سريعة لا تقدم حلولاً جذرية للمشاكل القائمة ولكنها تعطي الحزب شعبية وتقطع الطريق امام محاولات ايجاد حلول جذرية كون مثل هذه الحلول تحتاج الى وقت طيل نسبيا والى تخطيط دقيق لذلك فانها غالبا ما تفتقد الشعبية على الرغم من ان نتائجها تظهر لاحقاً لكن الجمهور يميل غالباً الى الحلول السريعة وان كانت ناقصة وهذا ما يعرفه "حزب الله" ويعمل عليه.


يبقى ان نقول ان تقرير فينوغراد لم يكن ممكنا لولا نضوج حالة من الديموقراطية والاحساس بالمسؤولية داخل البنية الجامعة لمؤسسة الدولة في اسرائيل. بمعنى آخر كان هذا التقرير نتيجة للشكل السياسي الذي يحكم الكيان الصهيوني والذي يمثل اهم نقاط تفوقه علينا اكثر مما يمثلها التفوق العسكري. الغريب في استعمال "حزب الله" للتقرير يكمن في هذا لأمر تحديدا. يرفض الحزب الالهي الدولة ويعمل على ضربها وشلها ثم يعتبر ان انتصاره الذي كلف اكثر من ألف قتيل وخمسة آلاف جريح قد أصبح موضوعاً لا يمكن الشك بمصداقيته لان تقريرا صادرا عن دولة يمثل فيها حكم القانون والمؤسسات القيمة العليا التي لا يستطيع أحد تجاوزها.


المفارقات والمغالطات لا تدخل في ممارسة "حزب الله" للسياسة، فهو قد ولج اليها من بوابة الغيب واسمى انتصاره الهياً ما يعني مباشرة أن لا فضل للأرضيين من أبناء الشعب اللبناني الذين تشردوا واستشهدوا في صناعة هذا النصر. من هنا يمكننا سوق ملاحظة مأسوية هي ان تقرير فينوغراد وخطاب "حزب الله" كلاهما لم يكن الشعب اللبناني حاضراً فيهما. ان يكون الشعب اللبناني خارج حسابات النصر والهزيمة يعني انه لا نصر ولا هزيمة. فقط خراب مجاني وممارسة سياسية فاقدة للمعنى وللتمركز.

(*) صحافي

 

عودة لزاوية مساحة حرة

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->