|
الاستحقاق الرئاسي وإعادة تأسيس لبنان
بسّام ضو(*)
خلال العقود الستة الماضية، عرف لبنان أحد عشر رئيس جمهورية. كان كل
انتخاب رئاسي يفتح الأبواب واسعة، داخلياً وخارجياً، أمام إعادة البحث
في التركيبة، والصيغة، والهوية، والدور، والمستقبل، والمصير، ثم ينتهي
البحث الى تسوية ما، فتتراجع هذه القضايا من دون أن تزول، ولكن لم يكن
مصير لبنان مرتبطاً ارتباطاً جذرياً عميقاً يتقرّر فيه مستقبله خلال
هذه المحطات الرئاسية، مثلما كان في محطتين سابقتين، ومثلما هو الآن في
المحطة الثالثة المرتقبة في الخريف المقبل.
عام 1943، انتُخب بشارة الخوري بعد تسوية أعقبت صراعات حول الهوية
والمشاركة، وطبيعة النظام السياسي. ولكن على الرغم من ذلك، انطلقت
مسيرة استقلال لبنان في لحظة تحوّلات دولية هائلة إبّان الحرب العالمية
الثانية، فكانت تلك اللحظة محطّة أولى، لم تأخذ ما تستحقه من الدرس
والتعميق لا عند قوى اليمين، ولا عند قوى اليسار، ولا عند الطائفيين
ولا العلمانيين، فبقيت فكرة الاستقلال مرتجّة ـ للأسف الشديد ـ وممسوسة
دائماً بالحسابات الضيّقة للعبة السلطة، ومنهكة باللفظويّة الشعاراتية
في معظم الأحيان، ولم تنتقل ـ للأسف الأشدّ ـ من حالة "السياسة"
العابرة الى حالة "الوطنية" الثابتة. أما المحطة الثانية، فكانت بعد
اتفاق الطائف عندما جرى اغتيال الرئيس رينيه معوّض وبدأت بذلك مسيرة
إفراغ وثيقة الوفاق الوطني من المضمون الاستقلالي.
هاتان المحطّتان بارزتان، وغيرهما من المحطات الرئاسية لم تحمل معنى
مصيرياً. أما المحطة الثالثة التي نرتقبها في أيلول 2007 فقد تفوق محطة
1943 أهمية، وهي مصيرية في الشكل والمضمون، مثلما هي مستقبلية بالفعل.
وإذا كانت محطة 1943 قد حصلت فيما كانت فكرة الاستقلال موضع أخذ وردّ،
فإن ستة عقود بعدها من التجارب والمحن والمخاضات، أثبتت في تقديرنا
حاجة اللبنانيين الى بلورة فكرة "الوطنية اللبنانية"، وهي ليست معادية
للانتماء العربي كما كان يقول الشهيد كمال جنبلاط، ولكنها ضرورية لبقاء
لبنان ولدخوله في صيرورة التحوّل من حالة الكيان الى حالة الوطن، ومن
حالة الساحة المفتوحة الى حالة الدولة التي تجمع المواطنين وتبني
المؤسسات وتملك القدرة على صهر التنوّعات في وحدة وطنية ذات مضمون
استقلالي حقيقي، لا يذوب في نار الشعار القومي، ولا في نار المشاريع
الطائفية، ولا في الرهانات المغامرة، ولا في الطوباويّات الدينية.
ليست الاستقلالية اللبنانية عيباً ولا خطأ، وليست الوطنية اللبنانية
نقيصة ولا خطيئة، مثلما إن استقلالية ووطنية أي دولة عربية أو إسلامية
في المنطقة، أو أي دولة أخرى في العالم، ليست بالتأكيد نقيصة ولا
خطيئة. ثم إن الارتباط بقضايا المنطقة لا يعني بالضرورة أن يكون وسيلة
ـ تحت أي شعار ـ للقضاء على هذه الاستقلالية، واستبدالها بالاستتباع.
وليس بمقدور أحد أن يعيد التاريخ الى الوراء، فلبنان المتنوّع داخلياً،
ـ مهما تختلف وجهات النظر الى هذا التنوّع ـ لا يعيش خارج "وطنية
لبنانية مستقلة" تحيا على خصوصيتها في دائرة انتمائها العربي، مثلما
تحيا على الحرية والديموقراطية، وإن يكن النقاش واسعاً وحاداً في بعض
الأحيان حول معنى الديموقراطية وكيفية تطبيقها في بلد مثل لبنان، لم
يتخلّص من الطائفية في نظامه اليساسي وفي ثقافته الاجتماعية، وهذا ما
لا متّسع للخوض فيه في هذه العجالة.
الاستحقاق الرئاسي المرتقب هذه المرة ـ سواء حصل الانتخاب في موعده أم
لم يحصل ـ هو بهذه المعاني المشار إليها سابقاً، محطة مصيرية، تشبه
بالفعل عملية إعادة تأسيس لبنان. وإذا درسنا بعمق مضامين التطوّرات
التي أعقبت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن ما سنلاحظه
بدقّة، أن معنى رئاسة الجمهورية هذه المرة، هو بالضرورة معنى الوحدة
الوطنية المبنيّة على الاستقلال الوطني ذي الأسس الديموقراطية، ومعنى
استعادة المضمون الاستقلالي لاتفاق الطائف، ومعنى الاستعداد للتقدّم
نحو بناء الدولة الذي تأخر كثيراً في الأصل، وتأخر أكثر في العقدين
الماضيين بسبب فقدان الاستقلالية.
قد يسيل في هذه المرحلة لُعاب ديماغوجيّات كثيرة، فيُقال في
الاستقلالية أنها نوع من العزلة، أو الانعزال، أو الاعتزال، أو
الانكفاء. هذه الديماغوجيّات سقطت، ولقد حسمت وثيقة الوفاق الوطني
(اتفاق الطائف 1989) نهائية الوطن اللبناني وانتماءه العربي، مثلما
حسمت ضرورة الشروع في إلغاء الطائفية ولو في خطط مرحلية، وضرورة إعادة
بناء الدولة السيّدة المستقلة الباسطة سلطتها على كل لبنان. ومن هنا،
فإن الاستقلالية تعني كل هذه الأسس ومتفرّعاتها في الحياة السياسية،
والحياة الوطنية، ولا تعني شيئاً آخر من العزلة أو الانعزال، ولا من
الإلحاق أو الاندماج. وبناء عليه فإن أي موقف طاعن في الاستقلالية، هو
موقف طاعن في وثيقة الوفاق الوطني، مهما تكن مفردات الطعن وممارساته
مقنّعة بشعارات كبيرة.
إن نهائية الوطن اللبناني ووحدته وسيادته وانتماءه العربي، هي في نواة
معنى الاستقلالية، وهذا ما يجب أن يعبّر عنه الاستحقاق الرئاسي هذه
المرة، أي ما يجب أن ينتقل من قوة الوجود بالنص الى الوجود بالفعل إذا
جاز لنا اقتباس هذا التعبير الفلسفي في السياق السياسي. ولا شك في أن
لبنان العربي، الحر، السيد، المستقل، المتنوّع ضمن الوحدة الوطنية
اللبنانية، قادر على استعادة حيويّته في بناء دولة حديثة، وفي صناعة
استقراره الداخلي، وفي أداء دوره في القضايا العربية من دون مغامرة
تتجاوز إمكاناته، ومن دون استرهان يقضي على قدراته.
لا معنى لرئاسة الجمهورية بما هي رمز لوحدة الوطن والدولة، ورمز
للسيادة ـ لا معنى لها ـ خارج الاستقلالية، وخارج مفهوم الوطنية
اللبنانية، وخارج التنوّع ضمن وحدة العيش المشترك. ولما كنا نعرف أن
هذا الاستحقاق المرتقب يحتاج الى تسوية وفاقية وطنية، فإن بلورة مفهوم
التسوية في دائرة الاستقلالية الوطنية هي التي تقود الى نجاح التسوية،
وهذا ما يجعل الوفاق الوطني ذا بُعد مستقبلي راسخ، بدلاً من أن يكون
وفاقاً عابراً موقتاً ومعرّضاً للانتكاسات.
(*) كاتب سياسي
عودة
لزاوية مساحة حرة
|