|
معالجات "على الساخن" للجم التحديات
نقولا نصر(*) شرفاء لبنان، الاصيلون، لا المزورون والمستوردون، هم اليوم في الواجهة والمواجهة، بيدهم وحدهم القرارالشجاع وتحرير الدار من بؤر المتآمرين عليها، الداخليين المستعبدين المأجورين منهم وأسيادهم والمتلاعبين كالدمى، حيث لا اخلاق ولا عقل، بل غلو في دك اسافين في امن شعب واستقرار دولة وسلامة نظام سياسي لها يعلو على الجميع.
لوعي خطورة ما يجري في هذه الايام، لا بد من التذكير بفصول سابقة أسست لجعل الساحة اللبنانية مفتوحة للاستباحات الامنية، بعد بداية تحرشات المخيمات الفلسطينية المسلحة باللبنانيين والجيش اللبناني، أقام رئيس الحكومة رشيد كرامي الدنيا في منتصف العام 1969، باعتصامه على مدى ستة اشهر في السراي الحكومية، كي يفرض "اتفاق القاهرة"، الذي شرّع العمل الفدائي الفلسطيني ضد اسرائيل من لبنان وعلى الحدود الجنوبية (فتح لاند) من دون ان يمر ذلك الاتفاق لا بالحكومة او مجلس النواب، ومن دون ان يطلع ويوافق عليه الرئيس شارل حلو.. وفي بدايات حرب 1975، التي كانت لبنانية ـ فلسطينية في الاساس، تولى رشيد كرامي بالذات رئاسة حكومة جديدة، فرض هو بامتياز ايضا تحييد الجيش اللبناني. وعندما دخل الجيش السوري الى لبنان من دون ان يستأذن احداً، كما اكد ذلك في خطاب 20/7/1976، تصرف الرئيس حافظ الاسد، قبل تشكيل قوة الردع العربية وبعدها، كحاكم مطلق للبنان، تحت عنوان جعله "ساحة للعرب"، وهو قال ايضا انه دخل الى لبنان للدفاع عن "المقاومة الفلسطينية"، خطه الاحمر، اي مقاومة؟ مقاومة "الرفض العربي والفلسطيني". من هنا زرع لبنان بمنظمات فلسطينية وهمية خاضعة مباشرة للنظام السوري كـ "الصاعقة"، التي قال فيها كمال جنبلاط في وصيته انها برعت في السطو على المصارف، في شارع المصارف في وسط بيروت، والجبهة الشعبية القيادة العامة، الباقية حتى اليوم في الناعمة وطرق البقاع الغربي الجنوبي، خاض حافظ الاسد حروب مخيمات كي يفرض فيها المنظمات الرافضة، كـ "فتح الانتفاضة".. وفي العام 1986، تجند نبيه بري، رئيس حركة "أمل" في هذه الحرب حيث عمشق على مدينة مغدوشة، التي تعتبر اكبر مدينة مسيحية في شرق صيدا، كي يخوض حربا ضد مخيم عين الحلوة"، وكانت النتيجة تهجير جميع اهالي مغدوشة، باستثناء "ختيار واحد"، ما دفع احد مناضلي "أمل" في المدينة للقول: "ماذا يفعل هذا الرجل الباقي في هذه المدينة".
العنوان الاكبر لولاية الرئيس اميل لحود الممددة قسرا بالفرض السوري، كان مسلسل الاغتيالات السياسية والتفجيرات الامنية المعروفة. وكارثة حرب تموز 2006 كانت من انتاج السيد حسن نصر الله، وحزبه، الذي رعته سوريا بالروح والسلاح والدعم المباشر، كي تدمر لبنان، وتفاوض على رأسه لاستعادة الجولان سلمياً، ودخلت على الخط ايران.
في 21 الجاري، عقد مجلس الوزراء جلسة مطولة، اتخذ فيها قرار حاسما، انهاء حالة "فتح الاسلام" وكل ما يتفرع عنها. وكلمة "انهاء" واضحة المضمون والمدى، وان لم يفهمها على حقيقتها بعض المعارضين المتحجرين، الجميع استنكر ما تعرض له الجيش اللبناني، لفظيا كان موقف نبيه بري وحسن نصر الله، او بالاحرى مجرد تنديد رمزي، لم يغص الى اعماق الامور.
الصهر ما زال يتألم والعم ما زال غائباً عن السمع!
عندما يغيب الصغار، لا بد ان يحضر الأكبر منهم، وان لم يكن هذا الأكبر كبيراً الا لوجوده في منصب مسؤولية. اركان معارضتنا اللبنانية، لهم سيد واحد، منذ أن بدأوا بالتعورض، هو بشار الأسد. وأي مسؤول آخر في هرمية النظام السوري هو صورة طبق الأصل عن الرأس، في 21 الجاري، القى وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، في جامعة دمشق، محاضرة مطولة "وشاسعة". وجه الغرابة هنا تمثل في بدء الحديث عن المحكمة ذات الطابع الدولي والمعارضة اللبنانية، جنباً الى جنب. لماذا استهل المحاضر محاضرته بهذا العنوان المزدوج؟ لأن هناك عقدة ذنب حقيقية في تورط بلده في الجرائم التي حصلت في لبنان، ولأن المعارضة اللبنانية منخرطة في الدفاع عن تلك الذنوب، التي قد تكون متورطة فيها. هي أيضاً.
"اقرار المحكمة تحت الفصل السابع يعني ان لبنان يتنازل عن جزء من سيادته للقضاء الدولي"، مشيراً الى التشابه في المحافظة على السيادة السورية، اي التهرب من محاكمة المجرمين السوريين من القضاء الدولي، القادر وحده على ان يطالهم وهو يرى في القضاء الدولي "تخطيطاً" لاستهداف "ليس سوريا فقط، وانما لارضاخ كل من يقف في وجه الهيمنة الأميركية". وهو شعار تردده المعارضة اللبنانية ببغائياً. مخرج ذكي للتهرب من العقوبة. ولأن وليد المعلم مفرط في ولعه بلبنان، اعتراه خوف من ان يتحول مجلس الأمن "الى طرف في الانقسام الداخلي اللبناني"، الذي ترعاه وتديره دمشق، افاد أن "فتح الاسلام" تلاحقها دمشق وان بعض افرادها هم "في السجون السورية"، من دون أن يشير الى الفائض الذي ارسلته سوريا الى لبنان".
بعد هذه الجولة العامة، نتوقف عند ما يعتبره الضمير اللبناني الملوّع خطة سير جديدة على طريق الخلاص. خلاص مما؟ 1. المضي قدما من اجل القضاء على الفوضى الأمنية، التي تستمد من السلاح غير الشرعي مادتها الاساسية. هناك خطوات ينبغي الاقدام عليها "على الساخن"، بدءاً من انهاء المنظمات التخريبية، "فتح الاسلام" وما يشبهها من تنظيمات أخرى، في المخيمات الفلسطينية أو خارجها. 2. أي سلاح خارج المخيمات، ينبغي الغاؤه كلياً، تطبيقاً لما اقرته طاولة الحوار. 3. السلاح الفلسطيني كله، الذي لم يعد له أي جدوى بالنسبة الى القضية الفلسطينية، والى لبنان من الضروري التفاوض في شأنه مع السلطة الفلسطينية، لأنه يشكل عالة على اللاجئين انفسهم وعلى الأمن اللبناني. 4. سلاح "حزب الله"، الذي يوظف سلبياً في السياسة الداخلية، يجب بحث أمره جدياً، بحيث يسلم كله الى الدولة اللبنانية، التي يجب ان تحتكر السلاح وحدها.
والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن ان تعود الى طبيعتها، باستمرار التوترات الأمنية.
الوصاية الحقيقية التي عانيناها، وما زلنا نعاني بقاياها هي الوصاية السورية.
عليهم التفكير جدياً في الأمر. بالأسلوب السياسي والديموقراطي طبعاً، وبعيداً عن أي عنف، بالفعل، لا برد الفعل على سلوكيات المعارضة الهوجاء.
(*) كاتب سياسي
|