معالجات "على الساخن" للجم التحديات

 

نقولا نصر(*)

شرفاء لبنان، الاصيلون، لا المزورون والمستوردون، هم اليوم في الواجهة والمواجهة، بيدهم وحدهم القرارالشجاع وتحرير الدار من بؤر المتآمرين عليها، الداخليين المستعبدين المأجورين منهم وأسيادهم والمتلاعبين كالدمى، حيث لا اخلاق ولا عقل، بل غلو في دك اسافين في امن شعب واستقرار دولة وسلامة نظام سياسي لها يعلو على الجميع.


بداية فصل جديد من الاجرام المجنح أطلّ برأسه السبت 19 الجاري، حيث ادى سلب مصرف في أميون في وضح النهار على يد أربعة مسلحين، وبعد مضي 15 ساعة، الى الغدر ليلا بجنود من الجيش اللبناني، لم يكونوا في حالة قتال، ثم فتحت عصابة السارقين اي "فتح الاسلام" من "مخيم نهر البارد" الفلسطيني وفي شوارع طرابلس، معارك اعتداء على الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي، ما زالت دائرة. فيلم "جيمس بوند" سيدفع ابطاله الملهمون من شياطين الازقة ثمنا باهظا، اقله اقتلاعهم من لبنان المضيف، بتوقيفهم ومحاكمتهم.


المسلسل القديم

لوعي خطورة ما يجري في هذه الايام، لا بد من التذكير بفصول سابقة أسست لجعل الساحة اللبنانية مفتوحة للاستباحات الامنية، بعد بداية تحرشات المخيمات الفلسطينية المسلحة باللبنانيين والجيش اللبناني، أقام رئيس الحكومة رشيد كرامي الدنيا في منتصف العام 1969، باعتصامه على مدى ستة اشهر في السراي الحكومية، كي يفرض "اتفاق القاهرة"، الذي شرّع العمل الفدائي الفلسطيني ضد اسرائيل من لبنان وعلى الحدود الجنوبية (فتح لاند) من دون ان يمر ذلك الاتفاق لا بالحكومة او مجلس النواب، ومن دون ان يطلع ويوافق عليه الرئيس شارل حلو.. وفي بدايات حرب 1975، التي كانت لبنانية ـ فلسطينية في الاساس، تولى رشيد كرامي بالذات رئاسة حكومة جديدة، فرض هو بامتياز ايضا تحييد الجيش اللبناني.

وعندما دخل الجيش السوري الى لبنان من دون ان يستأذن احداً، كما اكد ذلك في خطاب 20/7/1976، تصرف الرئيس حافظ الاسد، قبل تشكيل قوة الردع العربية وبعدها، كحاكم مطلق للبنان، تحت عنوان جعله "ساحة للعرب"، وهو قال ايضا انه دخل الى لبنان للدفاع عن "المقاومة الفلسطينية"، خطه الاحمر، اي مقاومة؟ مقاومة "الرفض العربي والفلسطيني".

من هنا زرع لبنان بمنظمات فلسطينية وهمية خاضعة مباشرة للنظام السوري كـ "الصاعقة"، التي قال فيها كمال جنبلاط في وصيته انها برعت في السطو على المصارف، في شارع المصارف في وسط بيروت، والجبهة الشعبية القيادة العامة، الباقية حتى اليوم في الناعمة وطرق البقاع الغربي الجنوبي، خاض حافظ الاسد حروب مخيمات كي يفرض فيها المنظمات الرافضة، كـ "فتح الانتفاضة".. وفي العام 1986، تجند نبيه بري، رئيس حركة "أمل" في هذه الحرب حيث عمشق على مدينة مغدوشة، التي تعتبر اكبر مدينة مسيحية في شرق صيدا، كي يخوض حربا ضد مخيم عين الحلوة"، وكانت النتيجة تهجير جميع اهالي مغدوشة، باستثناء "ختيار واحد"، ما دفع احد مناضلي "أمل" في المدينة للقول: "ماذا يفعل هذا الرجل الباقي في هذه المدينة".


وأعلن رسمياً حافظ الاسد، في خطابه المشار اليه سابقا، ان الجيش السوري تقنّع بلباس "جيش التحرير الفلسطيني" ودخل في
20/1/1976 الى مدينة الدامور، هجّر اهلها، واسفرت تلك العملية "البطولية" عن مقتل 200 شخص وجرح 500.


ولا ينسيني احد ان كل الجرائم السياسية التي حصلت بين عام 1976و1989 في لبنان، من اغتيال كمال جنبلاط الى الرئيس بشير الجميل، وسليم اللوزي وياض طه والمفتي حسن خالد، نفذت كلها في اطار حيثيات، تدل كلها على تورط سوري فيها مباشرة، لكون الضحايا غير مرضي عنهم "بعثيًا" وسوريًا.


فصول 2004 ـ 2007

العنوان الاكبر لولاية الرئيس اميل لحود الممددة قسرا بالفرض السوري، كان مسلسل الاغتيالات السياسية والتفجيرات الامنية المعروفة. وكارثة حرب تموز 2006 كانت من انتاج السيد حسن نصر الله، وحزبه، الذي رعته سوريا بالروح والسلاح والدعم المباشر، كي تدمر لبنان، وتفاوض على رأسه لاستعادة الجولان سلمياً، ودخلت على الخط ايران.


لان الرموز الوطنية التي اغتيلت لا تعني اطلاقا الشركاء المنافقين في الوطن، لانها لم تحصد اي رأس منهم، نشأت معارضة لبنانية "نقية وطاهرة" وراحت تخوض حرب دمشق على الحكومة اللبنانية لاسقاطها وعلى المحكمة ذات الطابع الدولي لمنع قيامها. من هنا الحملات البطولية على حكومة الرئيس السنيورة، بهدف قلب الأوضاع في لبنان رأساً على عقب، من هنا استقالة الوزراء الشيعة في
11/11/2006. حيث تولى رئيس المجلس نبيه بري عملية الاخراج، بعد ان كان السيد حسن نصر الله مدير الانتاج.


وكان الطاغي على عقول المعارضة القاصرة دخولها في معارك اقليمية ودولية، لعبة اقزام جهل، يحاولون زج لبنان في محاور خارجية، هم ادواتها الصغار، وهم تزودوا بصواريخ سياسية عابرة للقارات، لمهاجمة الاميركان وفرنسا والدفاع عن سوريا والعراق وايران، تحركات دونكيشوتية لا نجد لها مثيلاً في اي بلد عربي آخر، من حيث محاولة توريط الدولة في سياسات استنسابية وصبيانية. يتحدثون عن وصايات اجنبية وهمية، فيما هم ادوات وصاية سوريا، ايرانية على قياسهم.


لكن اطغى الطاغي بالنسبة الى ما يجري حالا في "مخيم نهر البارد" هو ما يشبه الصمت والارتباك التام في صفوفهم، باستثناء بعض الأصوات الخجولة التافهة، المبنية على جهل للأصول المبدئية.


حكومة السنيورة الشغالة.. والمتفرجون

في 21 الجاري، عقد مجلس الوزراء جلسة مطولة، اتخذ فيها قرار حاسما، انهاء حالة "فتح الاسلام" وكل ما يتفرع عنها. وكلمة "انهاء" واضحة المضمون والمدى، وان لم يفهمها على حقيقتها بعض المعارضين المتحجرين، الجميع استنكر ما تعرض له الجيش اللبناني، لفظيا كان موقف نبيه بري وحسن نصر الله، او بالاحرى مجرد تنديد رمزي، لم يغص الى اعماق الامور.


أيضاً في 21 الجاري، نطق ميشال عون، ليته لم يفتح فاه، راح يشهر بالجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي. لكونه خبيرا في البطولات العسكرية ـ السياسية الفاشلة، اخذ على الثانية محاولة القيام "بأعمال بطولية"، غاب على الاثنين غياب التنسيق بينهما، متجاهلا ان عملية الغدر بالجيش لا علاقة لها بأي تنسيق. مع ذلك افصح عن دعمه لـ"المؤسسات الامنية روحا ودماً معتبرا اياها جهازا لا صلة له بالسلطة السياسية. وأكد انه "لا يمكن ان يتضامن مع حكم" قائم، لا وجود لغير له قائم. لذا دعا الى الفراغ المطلق، في شكل جازم "على الطقم السياسي في السرايا الرحيل ليس فقط من السلطة، بل من البلد ككل"، مذكرا ايانا بمنفاه الباريسي على مدى 14 عاماً!


في اليوم التالي سمعنا الرئيس لحود يحدثنا من قصر بعبدا، بنبرة فيها، لأول مرة، جديد طفيف: مخاطبة الموالاة والمعارضة معاً، من دون تفريق هذه المرة. دعا بري والرئيس السنيورة الى الالتقاء، من دون ان يتصل بأحد منهما. لماذا؟ لتأليف "حكومة وحدة وطنية" أيضاً وأيضاً؟ كيف؟ لا خبرة له هو في كل ما يتصل بتأليف الحكومات. يعرف هو فقط، من دون ان يدرك لماذا، ان حكومة الرئيس السنيورة هي باقية بنظره "غير دستورية وغير شرعية وغير ميثاقية. دعا الجميع الى الالتفاف حول الجيش اللبناني، من دون الاشارة الى السلطة التي يخضع لها هذا الجيش، اي مجلس الوزراء ووزارة الدفاع تحديداً، التي يرأسها صهره الياس المر، الذي ما زال يخضع لعمليات جراحية جديدة بعد محاولة اغتياله في 12/12/2005.

الصهر ما زال يتألم والعم ما زال غائباً عن السمع!


وليد المعلم الطالب

عندما يغيب الصغار، لا بد ان يحضر الأكبر منهم، وان لم يكن هذا الأكبر كبيراً الا لوجوده في منصب مسؤولية. اركان معارضتنا اللبنانية، لهم سيد واحد، منذ أن بدأوا بالتعورض، هو بشار الأسد. وأي مسؤول آخر في هرمية النظام السوري هو صورة طبق الأصل عن الرأس، في 21 الجاري، القى وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، في جامعة دمشق، محاضرة مطولة "وشاسعة". وجه الغرابة هنا تمثل في بدء الحديث عن المحكمة ذات الطابع الدولي والمعارضة اللبنانية، جنباً الى جنب. لماذا استهل المحاضر محاضرته بهذا العنوان المزدوج؟ لأن هناك عقدة ذنب حقيقية في تورط بلده في الجرائم التي حصلت في لبنان، ولأن المعارضة اللبنانية منخرطة في الدفاع عن تلك الذنوب، التي قد تكون متورطة فيها. هي أيضاً.


نطّ مثل القط الى التاريخ. قال: "وجدت المعارضة اللبنانية في بنود المحكمة عودة الى الوراء، الى العام 1982، حيث تصدت المقاومة اللبنانية لقوات متعددة الجنسيات" ما هي علاقة المعارضة الحالية بالمقاومة السابقة ولماذا تهريب المحكمة الى الوراء؟


ثم قفز للحديث عما "تريده فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وعن الفصل السابع:

"اقرار المحكمة تحت الفصل السابع يعني ان لبنان يتنازل عن جزء من سيادته للقضاء الدولي"، مشيراً الى التشابه في المحافظة على السيادة السورية، اي التهرب من محاكمة المجرمين السوريين من القضاء الدولي، القادر وحده على ان يطالهم وهو يرى في القضاء الدولي "تخطيطاً" لاستهداف "ليس سوريا فقط، وانما لارضاخ كل من يقف في وجه الهيمنة الأميركية". وهو شعار تردده المعارضة اللبنانية ببغائياً. مخرج ذكي للتهرب من العقوبة. ولأن وليد المعلم مفرط في ولعه بلبنان، اعتراه خوف من ان يتحول مجلس الأمن "الى طرف في الانقسام الداخلي اللبناني"، الذي ترعاه وتديره دمشق، افاد أن "فتح الاسلام" تلاحقها دمشق وان بعض افرادها هم "في السجون السورية"، من دون أن يشير الى الفائض الذي ارسلته سوريا الى لبنان".


من انتفاضة الى ما هو أعمق

بعد هذه الجولة العامة، نتوقف عند ما يعتبره الضمير اللبناني الملوّع خطة سير جديدة على طريق الخلاص. خلاص مما؟

1.   المضي قدما من اجل القضاء على الفوضى الأمنية، التي تستمد من السلاح غير الشرعي مادتها الاساسية. هناك خطوات ينبغي الاقدام عليها "على الساخن"، بدءاً من انهاء المنظمات التخريبية، "فتح الاسلام" وما يشبهها من تنظيمات أخرى، في المخيمات الفلسطينية أو خارجها.

2.   أي سلاح خارج المخيمات، ينبغي الغاؤه كلياً، تطبيقاً لما اقرته طاولة الحوار.

3.   السلاح الفلسطيني كله، الذي لم يعد له أي جدوى بالنسبة الى القضية الفلسطينية، والى لبنان من الضروري التفاوض في شأنه مع السلطة الفلسطينية، لأنه يشكل عالة على اللاجئين انفسهم وعلى الأمن اللبناني.

4.   سلاح "حزب الله"، الذي يوظف سلبياً في السياسة الداخلية، يجب بحث أمره جدياً، بحيث يسلم كله الى الدولة اللبنانية، التي يجب ان تحتكر السلاح وحدها.


الموضوع الأمني لم يعد جائزاً الاستخفاف به. لا استقرار سياسي بوجود السلاح غير الشرعي.

والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن ان تعود الى طبيعتها، باستمرار التوترات الأمنية.


انتفاضة الاستقلال لا تتحقق اهدافها الا بمعالجة جذرية لكل ما يتعرض له لبنان من هزات موسمية. ولبنان الآمن لجميع أبنائه لا يمكن ان نصل اليه الا ببناء الدولة القوية القادرة، الخالية من المربعات الأمنية وصاحبة القرار الحر، وغير الخاضعة لمشيئة أية دولة أخرى.

الوصاية الحقيقية التي عانيناها، وما زلنا نعاني بقاياها هي الوصاية السورية.


على الاستقلاليين الانتقال من مرحلة الانتفاضة الى ما هو أفضل، من دون مهادنة. كيف؟

عليهم التفكير جدياً في الأمر. بالأسلوب السياسي والديموقراطي طبعاً، وبعيداً عن أي عنف، بالفعل، لا برد الفعل على سلوكيات المعارضة الهوجاء.

 

(*) كاتب سياسي

عودة لزاوية مساحة حرة

 

 

*** المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها***

//-->