الاستبداد لحظة انكشافه

النهار 18/02/2008

سمير قصير

سنفترض ان الحكم البعثي في دمشق بريء من دم رفيق الحريري. سنفترض لحظة ان "الخبراء السويسريين" الذين سيستعين بهم النظام الامني اللبناني سيتمكنون من اثبات تورّط ابو مصعب الزرقاوي بنفسه في عملية الاغتيال. سنفترض لحظة ان عباقرة المخابرات في سوريا ولبنان سينجحون، مثلما نجحوا عام 1994 بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة، في فرض رواية قابلة للتحوّل قراراً ظنياً، وإن سقطت لاحقاً خلال المحاكمة (اذا كان هناك من محاكمة). هل يكفي كل ذلك لوقف المسار الانحداري للحكم السوري في لبنان وخارجه؟ هل يكفي كل ذلك لستر ما كشفه حدث بيروت اول من امس عن الخلل المستجد في الهيمنة البعثية؟

اول من امس، سقط في بيروت الخط الاحمر الاخير الذي كان يحمي منذ مطلع التسعينات اكذوبة "وحدة المسار والمصير" ويغطي منذ انهزام كمال جنبلاط واغتياله عام 1977 ادعاء الحكم السوري النطق باسم قسم من اللبنانيين.

هذا الخط الاحمر كان حتى اول من امس متمثلاً بالسكوت، الطوعي او القسري، الذي التزمه الرأي العام الاسلامي في لبنان حيال الحكم السوري منذ اكثر من ربع قرن، والذي تجدد في اكثر من مناسبة قمعية او "اغتيالية" حتى بات الاقتناع راسخاً ان الثمن الذي يدفعه المسلمون إن ارادوا الاعتراض، اكبر بما لا يقاس من الثمن الذي يدفعه المسيحيون. ولعل القهر الذي تعرضت له مدينة طرابلس، كما لو كانت مدينة من الداخل السوري، ابلغ دليل على فداحة الثمن. وجاءت القسوة التي ووجه بها وليد جنبلاط، سواء عام 2001 او في الاشهر الاخيرة، لتؤكد صواب هذا الاقتناع. بل ان هذه الخلفية هي تحديداً ما صوّب الانظار واصابع الاتهام نحو الجهاز المخابراتي السوري – اللبناني في اللحظة نفسها التي علم بها الرأي العام اللبناني باغتيال رفيق الحريري.

اما وقد حصل هذا الاغتيال ونُسب الى من نُسب، ومهما تكن شطارة النظام المخابراتي في حياكة روايته التبريرية، فيبدو ان مبلغ الكبت جعل من انكسار الصمت ليس فقط سقوطاً للخط الاحمر الاخير، بل انقلاباً رمزياً وسياسياً قد تتعدى مفاعيله حدود لبنان. اذ تشاء سخرية القدر ان تنقلب مقولة "الشعب الواحد في دولتين" في وجه من اطلقها. فعندما تصدح شوارع بيروت بشعارات عفوية تحمل طابعاً دينياً او طائفياً، يعرف الحاكم السوري ان صداها يصل الى دمشق وحلب. وعندما تُسمع من على شاشات الفضائيات ادانات كالتي سمعناها، من نوع "لا إله الا الله والاسد عدو الله" ("النهار" 17/ 2/ 2005ومطالبة بالثأر من أعلى المسؤولين في الدولتين، تصبح المحاولات الآيلة الى اثبات براءة الحكم البعثي في دمشق من دم رفيق الحريري بلا جدوى.

وكذلك اضحت بلا جدوى محاولات المتبقي من البعثَين توزيع الناس بين فسطاطين، فسطاط العملاء والخونة وفسطاط "الوطنيين" المعنيين بالقضية القومية. فعندما يكون جاك شيراك الرئيس الوحيد الذي جاء لينحني امام ضريح رفيق الحريري، فيما تخلف كل الملوك والرؤساء العرب، وبعد ثلاثة اشهر على تكريمه التاريخي للرئيس الراحل ياسر عرفات في باريس، يصبح صعباً استخدام ادوات القراءة القومجية العتيقة، كما طاب للبعض ان يفعل بالامس بالقول ان الشعارات التي رفعت في التشييع طارئة على تاريخ بيروت لأن تراث الشارع البيروتي لا يحتمل التعبئة الجماهيرية الا للدفاع عن القضايا القومية.

ربما كان هذا صحيحاً حين كان هناك من يستحق ان يثير الحمية القومية في جوار لبنان. اما اليوم، فقد اصبحت القضية القومية تكمن في التخلص من انظمة الارهاب والانقلاب واستعادة حرية الشعوب كمدخل الى نهضة عربية جديدة. فإذ يمشي في جنازة رفيق الحريري مئات الآلاف من المواطنين الاحرار، فيما لم يجمع تشييع حافظ الاسد قبل اعوام سوى قوافل سيّرها الحزب الواحد ومخابراته من دون ان ينجح في حشد اعداد مماثلة، فهذا اسطع برهان على انتهاء اكذوبة اخرى لازمت "وحدة المسار والمصير"، وهي الاكذوبة القائلة بأن الاستبداد هو درع العروبة.

اول من امس، كانت بيروت القلب النابض لعروبة جديدة، عروبة وان شابتها بعض اعلانات الولاء الطائفي او العشائري، تقوم على الارادة الحرة للمواطنين والمواطنات. وهذا اكثر ما يتوجب على نظام الاستبداد خشيته اذا تأخر في انهاء هيمنته على بيروت ولبنان.

عودة لصفحة سمير قصير

عودة لصفحة السلطة الرابعة

//-->