عودة الأب الضال

النهار 06/05/2005

سمير قصير

هناك دائما شيء مثير للغبطة في عودة المنفيين. وعودة العماد ميشال عون لا يمكن ان تشذ عن القاعدة، اللهم إلا في نظر غلاة اعدائه. ولا يجوز تالياُ لأحد في لبنان ان يستكثر على انصاره الفرحة العارمة التي سيستقبلون بها غداً السبت عودة بطلهم. كما لا يجوز لأحد على الاطلاق ان يغيّب البعد العاطفي الذي تنطوي عليه هذه العودة، إن بالنسبة الى العماد عون بعد خمسة عشر عاماً في المنفى، او بالنسبة الى جمهور محازبيه القدامى، وحتى الجدد منهم. لكن عون الذي اراد لنفسه دوراً سياسياً وطنياً، يدرك ولا بد ان عودته لا تقارَب كحدث عاطفي فحسب. فهذه العودة تبقى حدثاً سياسياً، وهي تخضع حكماً للتقويم السياسي والصحافي، وان يكن اي تقويم سيأخذ في الحسبان ضرورة مراعاة "حزب الجنرال". ليس بسبب الجنرال نفسه، وانما لأن الطاقات التي انضوت تحت لوائه هي ذخيرة للبنان الجديد، بعدما كانت مع غيرها من الطاقات في صميم صناعة الاستقلال.

قد لا يستسيغ الجنرال عون ان يخضع هو الى التقويم والمساءلة، وخصوصاً انه سيعود بعد ان يكون امضى اسبوعاً كاملاً يقوّم الآخرين، مطلقاً الاحكام في كل الاتجاهات وعبر كل الشاشات. للمناسبة، فإن النتيجة الاولى لهذه الاطلالات اليومية كانت أن اعادت "تشويش" صورة عون، فتراجع الرجل السياسي المرن الذي كان نجح في تظهيره في الاشهر الماضية، واطل برأسه القائد الشعبوي الذي يخاطب الجماهير بمنطق العسكر التبسيطي، والحامل طابع التحريض على الطبقة السياسية. هكذا، على الاقل، لن يخطئ احد التقدير: عون الراجع هو عون الذي لا يتغيّر، يحاكِم ولا يحاكَم.

لكن احترام انتفاضة الاستقلال يفترض على من كان من داعميها، ألا يضع نفسه في منأى عن رياح الحرية التي اطلقتها. واذا كان مفهوماً، بل مأنوساً للرأي العام، ان يوضع قادة المعارضة على المحك، فليس من سبب لأن يستثنى منهم عون. على العكس، فاذا كان يؤخذ على هذا او ذاك انه لم يحترم وعود التغيير التي اطلقتها الانتفاضة، فإن عون من جهته يوحي كأنه لا يقيم اعتباراً لمن قام بهذه الانتفاضة. اذ يقدم نفسه كأب للاستقلال، ويقول انه هو من أعاد الى لبنان سيادته وحريته. ويردد القريبون منه انه "المحرر" و"ربيع لبنان" الآتي، الى ما هنالك من صفات تختزل جهود شعب بأكمله.

قد يُفهم، على خلفية الحملة الانتخابية، ان يرفض عون الاعتراف بفضل لوليد جنبلاط، وحتى بفضيلة وضع رأسه تحت حد المقصلة.

وقد يُفهم ايضاً، في السياق نفسه، ان يعتبر اغتيال رفيق الحريري مجرد شرارة لا فضل للرئيس المغدور في اندلاعها. وان ينسى اعجوبة نجاة مروان حمادة من الاغتيال.

وقد يكون منطقياً من وجهة نظره ان يحتقر "قرنة شهوان" وكل السياسيين الموارنة غيره، وان يبقى على مسافة نقدية مع البطريرك صفير، وان لم يفصح، وان يلوم "القوات اللبنانية" لأن محازبيها لم يلتحقوا بالتظاهرات التي كان يقررها هو. لكن ما لا يقبله اي منطق محايد، هو ان يغيب عن عون دور التعبئة الشعبية في انجاز الاستقلال. ولعل اكبر مفارقة هي التي يضع عون نفسه فيها حين يبرر ادعاءه انه من اعاد الاستقلال والسيادة باستحضار دوره في تحول النظرة الدولية الى سوريا، لا الدور الفعال للعونيين على الارض، حتى لا نتحدث عن آخرين قد لا يحضرون على ذهنه! وكأن مخاطبة "شعب لبنان العظيم" هي مجرد سهولة لفظية.

المسألة تذهب ابعد من اختزال الفعل التاريخي بعظمة الفرد، وفقاً لفهم مبتسر للتجربة الديغولية في فرنسا. فإذا كان تجاهل الحجم الشعبي للحدث ينم عن مفهوم فوقي للعمل السياسي، فإن تجاهل دور القوى السياسية الاخرى يفيد بوجود سوء تفاهم مقلق حول معنى المعركة الاخيرة. وقد يكون الخطأ الاكبر الذي يرتكبه عون، وترتكبه ايضاً فئات مسيحية اخرى، هو في اعتبار انتفاضة الاستقلال استكمالاً لفصول الحرب، وفي ذلك مغالطتان تاريخيتان على الاقل.

المغالطة الاولى تكمن في الخلط بين الدور الذي لعبه الحكم السوري خلال الحرب، وهو دور متبدل ومتفاوت الوتيرة، وان يكن في محصلته مدمراً على الدوام، ونظام الوصاية المركّب الذي اقامه في لبنان ما بعد الحرب، مستفيداً مما اصاب المجتمع اللبناني في الفصلين الاخيرين من الحرب بين عامي 1988 و 1991، اي في ايام عون تحديدا، ومما ناله  اتفاق الطائف من تحوير جراء رفض عون اياه له.

اما المغالطة الثانية، فهي ان قوى الممانعة في المجتمع اللبناني لم تعمل خلال عهد الوصاية وفق منطق حربي والغائي، بل استنبطت اساليب عمل جماعية وديموقراطية. واذا كان لا يجوز اهمال دور العونيين في شبكات الممانعة، فإنه يجب ايضاً التذكر ان التيار العوني حرم نفسه لاعوام طويلة من تفعيل هذا الدور بحجة عدم شرعنة دولة الطائف. طبعاً، لا يتحمل العونيون وحدهم مسؤولية مقاطعة الانتخابات عام 1992، الا ان استمرارهم في نهج المقاطعة عام 1996 اعاق عملية توسيع المعارضة البرلمانية التي تجلت في رفض التمديد للرئيس الياس الهراوي، وهذا ما عادوا وانتبهوا اليه في انتخابات عام 2000 ثم وخصوصاً في انتخابين فرعيين لاحقين. وفي هذا المعنى، فان منطق مقاطعة المؤسسات قد يكون من العوامل التي اخّرت تشكل جبهة معارضة واسعة، وتالياً تشكل المأزق الذي وقع فيه نظام الوصاية.

بيد ان القفز فوق مرحلة ما بعد الحرب، وما شهدته من ممانعة لم تقل شجاعة عن شجاعة المنفى، وما تخللها من بناء لمفاهيم ديموقراطية جديدة، لا يضيّع فقط معاني انتفاضة الاستقلال، بل يدخل الشك الى فكرة الاصلاح التي صار يدعو اليها عون بعدما غاب عن هذه الورشة وغيّب عنها مناصريه طيلة خمسة عشر عاماً. اما اذا استعاد تلك المرحلة، فهو لن يكتشف فقط ان بعضاً من حلفائه في معركة الاستقلال كانوا جزءاً من السلطة، كما لا ينفك يقول منذ ايام، لكنه قد يدرك ايضاً ان التشكيك في السياسيين هو الذي هيأ الطريق امام النظام الامني، وهو تشكيك يستمر فيه عون الآن فيما ينحو الى التخفيف من مسؤوليات العسكر، من رئيس الجمهورية المنتهية ولايته الى قادة اجهزة العسس، في ما آلت اليه احوال البلاد.

ان من يأخذ على عون الغاءه الآخرين، لا يمكنه الدعوة في المقابل الى الغاء دوره هو ولا الى نكران اهميته ومزاياه. اذ يجب ان يكون في عون "شيء ما" كي يستجلب عطاء ووفاء مناضلين قد يكونون من خيرة ما انتجته هذه البلاد، ضحّوا بالغالي والرخيص ايماناً بفكرة رأوها متجسدة في هذا الرجل، وان اضطروا احياناً الى فعل عكس ما يقتنعون به لأنه قرر هو ذلك لاسباب يجهلونها.

ان الوفاء لصلابة هؤلاء والتزامهم هو ما يجب ان يجعل من يوم غد يوماً للاحتفال جديراً باحترام كل اللبنانيين. لكن هذا يتطلب من ميشال عون عناية خاصة، فلا يتقدم كأب للاستقلال لأنه يكون بذلك قد ضل معنى الانجاز. ولعل اكبر هدية يقدمها عون الى مواطنيه عند عودته هي الا يأتي اليهم منتصراً، بل مبتهج بانتصار هيأ له مع آخرين وصنعه لبنانيون من كل المشارب، ومن دون احتكار.

عودة لصفحة سمير قصير

عودة لصفحة السلطة الرابعة 

//-->