تريدون تمثيلاً ؟

النهار 13/05/2005

سمير قصير

عود على بدء. لو خرجت المعارضة مساء 14 آذار بقرار حاسم يقضي بمطالبتها بتأليف الحكومة بنفسها وتسلم الحكم على اساس انها تملك الشرعية الشعبية، لكان كل شيء ممكناً، ولاستطاعت فرض ارادتها على كل مكونات السلطة، بما فيها رئيس مجلس النواب. لكن فقدان الزخم الشعبي، او التخلي عنه، لأسباب تعددت بين تغيير الاولويات هنا، والعجز عن انتاج قيادة منصهرة وجماهيرية هناك، اعاد لبقايا الاجهزة ودوائر القصر الجمهوري ورئيس المجلس القدرة على التعطيل والتخريب.

اما وقد ضاعت هذه الفرصة، فقد بات الحديث عن امكان العودة الى قانون 1960 معدلاً في الفترة القصيرة بين تأليف الحكومة الميقاتية وانتهاء المهلة الدستورية، يتطلب غياباً قياسياً للنضج والحس السياسي. اصلاً، يلزم الكثير من السذاجة للاعتقاد ان قانون 1960 يستحق الدفاع عنه بهذه الاستماتة التي نسمعها. فاذا كان قانون عام 2000 يُعزى الى غازي كنعان ومعاونه جميل السيد، فان العودة الى قانون 1960 لم تكن لتطرح لولا ضوء اخضر من رستم غزالة خليفة كنعان، ومعاونه جميل السيد اياه المنتقل من سلف الى خلف، بالاضافة الى دعم عدد من ركائز الوصاية السورية الزائلة اليوم، وفي مقدمهم رئيس الحكومة السابق عمر كرامي، ووزير داخليته سليمان فرنجية. وحتى لو تخلّف نبيه بري عن تأييد هذه العودة، فليس هو من عطّل آنذاك اقرار المشروع المرسل من الحكومة، بل الذي أخّره كان التلاعب بتقسيمات بيروت وما تلى ذلك من ممانعة للرئيس المغدور رفيق الحريري.

وفي جهة المعارضة، فان التوافق حول هذا القانون (ما عدا بيروت) كان تسوية ليس الا. فأكثر من طرف معارض كان منحازاً الى مبدأ النسبية وتخلى عنه سعياً للتسوية، فيما كان اطراف آخرون يفضلون الدائرة الوسطى لكنهم رضوا ايضاً بالتسوية. وفي اي حال، لا يمكن الاجماع التكتيكي حول القضاء ان يخفي المساوئ العظيمة لقانون 1960 الذي يتيح تعبئة طائفية كما حصل عام 1968 ويشجّع على الدوام الزبائنية التي لولاها لسقط زعماء الطوائف، فضلاً عن انه شكّل حاجزاً منيعاً امام قوى التغيير، فكانت من نتيجته ان دفعت السياسة الى الشارع في السبعينات، كما يتبين من المقارنة بين مشهد مجلس النواب المنتخب عام 1972 وموازين القوى خارج البرلمان عشية الحرب.

وهذا يعني ان التمسك بقانون 1960، بعدما فشلت المعارضة في اقتناص فرصة اقراره، أكان ذلك قبل اغتيال الحريري أم بعده، والاستمرار في طرحه رغم انقضاء المهلة الدستورية، تصرّف يفتقر الى الحكمة. وهذا ينطبق اكثر ما ينطبق على القيادات المسيحية.

ولا بد من القول هنا ان القيادات المسيحية، على اختلافها، أكانت "قرنة شهوانية" ام عونية ام قواتية، لم تجد الشجاعة الكافية للتصدي لحملة التحريض الطائفي التي اطلقتها وسائل اعلام كانت تأتمر لأعوام واعوام بتعليمات جميل السيد ورئيسيه المتعاقبين غازي كنعان ورستم غزالة. وما لبثت هذه القيادات ان استبطنت اطروحات آلة الدعاية المتبقية من عهد الوصاية، فتبنت مقولة الاحباط المسيحي المتجدّد، بدل بذل جهد تربوي اعلامي لإفهام المواطنين، والمسيحيين منهم تحديداً، ان انقلاب موازين القوى في البلاد على وقع 14 آذار والانسحاب المخابراتي والعسكري السوري باتا يؤكدان ما كان مستشفاً منذ انطلقت تعبئة المعارضة بعد التمديد لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته. اي ان قانون الالفين لم يعد مشكلة بالنسبة الى المسيحيين، على الاقل من ناحية النتائج المرتقبة، وان ضرره الكبير هو في حجب الصوت الشيعي المغاير للتنظيمين المهيمنين.

يبقى المأخذ المتمثل بحؤول قانون الالفين دون تمثيل "حقيقي" للمسيحيين، وهو الامر الذي اصر عليه مجلس المطارنة الموارنة في اجتماعه الاستثنائي فحاول اثبات غياب التمثيل بالارقام، ووقع في خطأين جسيمين. الخطأ الاول هو في الارقام. فحين يقول بيان المطارنة ان 15 نائباً مسيحياً فقط من اصل 64 يتمتعون بصفة تمثيل المسيحيين، والمقصود نواب المتن الشمالي وكسروان وجبيل، فانه يجافي الموقف الاصلي لبكركي من قانون 1960، مثلما يجافي رعاية البطريرك صفير لـ"لقاء قرنة شهوان" ومن اركانه سياسيون شماليون لا غبار على صفتهم التمثيلية. لذلك يجب ان يضاف الى رقم الخمسة عشر نائباً رقمين آخرين. الاول هو حصيلة عدد النواب المسيحيين في الدوائر التي يُعمل بها بمبدأ القضاء (الشوف وزحلة والبقاع الغربي فضلاً عن بعبدا - عاليه حيث تبقى الغلبة الديموغرافية للمسيحيين)، اي 15 نائباً. اما الثاني فهو عدد النواب المسيحيين في دوائر البترون والكورة وزغرتا حيث يوازن المسيحيون مسلمي طرابلس. وهذا يعني اضافة 8 نواب، حتى لا نحكي عن نائبي بشري، رغم ان المعارضة توافقت على اسناد المقعدين على لائحتها الى "القوات اللبنانية"، وهي في عرف بكركي تمثيلية ولا ريب. بذلك نصل الى رقم 38 نائباً (40 اذا اضفنا بشري) من اصل 64، اي ما يمثل 30 في المئة (او 31) من مجموع مجلس النواب.

قد يبقى في ذلك الكثير من الاجحاف من وجهة نظر طائفية، ولكن لا مجال الا للاعتراف بان هذه النسبة تشبه البلد، بمعنى انها تقترب من نسبة المقترعين المسيحيين، والبعض قد يذهب الى القول انها تفوق نسبة المسيحيين المقيمين في التركيبة السكانية. ألم يكن افضل، من وجهة نظر طائفية، ان يتجنّب مجلس المطارنة فتح هذا السجال، ولاسيما انه استظل الطائف وأحد ابعاده كان يقضي بإبعاد المعادلة الطائفية عن لعبة الارقام والنسب من خلال اقرار المناصفة؟ وكيف يردون غداً اذا استغل احد هذا الخطأ وقال لهم: تريدون تمثيلاً حقيقياً، تعالوا نبحث في الارقام؟

اما الخطأ الثاني فهو الذي يتمثل بالتركيز على مبدأ التمثيل الطائفي، اذ يبني مجلس المطارنة تحليله على فرضية تمثيل النواب المسيحيين للناخبين المسيحيين حصراً، وفي ذلك مغالطة دستورية. اذ ان النائب هو ممثل الشعب، بصرف النظر عمن انتخبه. واخرى ميثاقية اذ ان اتفاق الطائف اقر المناصفة كمدخل للبحث في الغاء الطائفية السياسية. اما ان يركّز المطارنة الآن على صفاء التمثيل الطائفي، فهذا خروج واضح على الطائف، وهذا ما لا يمكن تبريره حتى باتهام الحلفاء بخيانة الوعد المقطوع.

ويزيد من فداحة هذا الخروج، انه يأتي من حيث لم يتوقع احد. يأتي من رجل لا يمكن احد انكار دوره الكبير في رعاية الطائف ودوره الاكبر، حين حصل الانقلاب على الطائف، في الحفاظ على البلد وعلى تعايش الطوائف فيه. فما الذي دها البطريرك صفير؟

يؤمل الا يكون الغضب، وإن بدا له مشروعاً. ويؤمل خصوصاً الا تكون رغبة في اعادة النظر بالطائف. واذا كان لا بد من اعادة النظر من اجل الاخذ بصفاء التمثيل الطائفي، فالحل موجود في الطائف نفسه: في انشاء مجلس شيوخ يقوم على مبدأ التمثيل الطائفي (مع ضرورة ان يؤخذ في الحسبان من لا يريدون الانتماء الى طائفة)، وانتخاب مجلس النواب على اساس لا طائفي ونسبي، وإن روعي فيه التمثيل المناطقي. فهل البطريرك مستعد لذلك؟ يا حبذا. بل يا ليته يقول ذلك امام الجموع التي تجتمع امام بابه، بدل الايحاء الى ايتام الوصاية السورية انهم نجحوا في مسعاهم الى الالتفاف على انتفاضة الاستقلال.

عودة لصفحة سمير قصير

عودة لصفحة السلطة الرابعة 

//-->