انتخابات لبنان بين الإحباط والتغيير

النهار 29/05/2005

سمير قصير

لم يتنبه اللبنانيون بما فيه الكفاية الى ان ما صنعوه بانتزاعهم استقلالهم الثاني هذا الربيع ليس ملكهم وحدهم. ولم يدركوا تحديداً، لكثرة انشغالهم بحالهم، ان "انتفاضة الاستقلال"، ورغم اهميتها الاستثنائية في تاريخ النضالات الشعبية العربية وتداعياتها المؤكدة على اشكالية الديمقراطية في المنطقة، لن تجد مكانها الثابت في الوعي العربي الا بعدما يتضح مآلها الديموقراطي، وان الصورة الجديدة المشرقة للبنان واللبنانيين التي ابرزتها التظاهرات والاعتصامات الكبيرة في وسط بيروت قد تهتز ان لم يكملها اداء سياسي مغاير للمعهود.

ولا ينطبق ذلك فقط على من رأوا في ربيع بيروت فأل خير ودليلاً على بداية افول زمن الجمود العربي، بل انه ينطبق ايضاً على من شككوا في التحرك الشعبي اللبناني وفضلوا الانحياز الى الاستبداد لمجرد كونه يتلبّس لبوس العروبة، وعلى قاعدة نظرة تآمرية ترى يد اميركا في كل شيء. ولا ريب ان الاهتمام العربي الكبير بالانتخابات اللبنانية التي تبدأ هذا الاحد يأتي من هنا (ومعه الاهتمام الدولي).

بيد ان المتابعة الصحافية لهذا الاستحقاق قد تثير شيئاً من الخيبة. فمن المفارقات اللبنانية ان التحول الهائل الذي احدثته "انتفاضة الاستقلال" لا ينعكس بشكل آلي في الانتخابات، بل ان هذه الانتخابات سوف تبدو فاترة، وفي بعض الاحيان مملة، مقارنة مع ما سبق من احداث. ولن يتأخر مراسلو وسائل الاعلام العربية والدولية عن رصد هذا الفتور، وفتح مجال التعبير واسعاً امام الممتعضين منه.

لهذا الفتور وذاك الامتعاض اسباب يمكن رصدها، فمنها التقني، ومنها النفسي ومنها السياسي. السبب التقني قد يبدو سخيفاً، لكنه بالتأكيد ينعكس سلباً على انطباعات الذين يؤمّنون التغطية الاخبارية للانتخابات، وربما للناخبين انفسهم، فهو يكمن في امتداد مرحلة الانتخابات على اربعة آحاد، اذ تجري الانتخابات في بيروت اليوم 29 ايار، وفي الجنوب في 5 حزيران، وفي جبل لبنان ومنطقة البقاع في 12 حزيران وفي الشمال في 19 حزيران. وفي هذا "التقسيط" تخلف واضح للنظام السياسي اللبناني، وهو في اي حال لا يحسّن سمعته الديموقراطية. اما السبب النفسي، فهو بديهي، اذ يتمثل في الفارق الشعوري وحتى الجمالي بين مشاهد الحشود المتوحدة باللونين الابيض والاحمر والمتلحفة بالاعلام اللبنانية خلال "انتفاضة الاستقلال"، ومشهد الشرذمة الذي يتأتى من الحملات الانتخابية في ظل قانون انتخابي لا يشجع البرامج بل الولاءات السياسية البدائية. اصلاً، يكفي كل من يمر في ساحة الشهداء التي فرغت من المعتصمين ان يتذكر مشهد المليون ومئتي الف نسمة الذين اجتمعوا فيها في 14 آذار حتى يشعر بانخفاض في الضغط وتباطؤ في النبض.

ويبقى العامل السياسي هو الاهم طبعا، وهو يقع في شقين: شق متمثل في انهيار السلطة اللبنانية الموالية للحكم البعثي، والذي نتج منه، بعد الانسحاب العسكري والمخابراتي السوري، تقادم الخط الفاصل بين "المعارضة" و"الموالاة" فخلط للاوراق داخل كل من هذين المعسكرين السابقين، وشق يتصل بآلية انتاج قانون انتخابي يكاد لا يرضي احدا، بل يثير نفور معظم اللبنانيين، لكنه فرض نفسه كحل لا بد منه من اجل اجراء الانتخابات في موعدها. ولا ريب ان قبول المعارضة العمل بالقانون السابق، اي ما سمي قانون الالفين الذي كان صممه في حينه غازي كنعان، مسؤول المخابرات السورية والحاكم بأمره سابقاً، جاء نتيجة للانقلاب في موازين القوى. ذلك ان ما كان يتيح اكتساح "المحادل" الانتخابية المهندسة سورياً عام 2000 صار يصب في مصلحة المعارضة في كل الدوائر، ما عدا الجنوب اللبناني حيث يسمح التقطيع الانتخابي باستئثار حركة "امل" و"حزب الله" بالتمثيل الشعبي فيه، وتحديداً التمثيل الشيعي. فمع اقتناع المعارضة ان اي تقطيع انتخابي لن يحول هذه المرة دون اكتساحها مجلس النواب، بدا لعدد من اقطابها، ولا سيما وليد جنبلاط وسعد الحريري وجزء من القوى المسيحية، انه يجب اعطاء الاولوية الى التوافق مع نبيه بري، رئيس المجلس وحركة "امل" في آن معاً، من اجل منع تأجيل الانتخابات، باعتبار ان بري في موقع يمكنه من عرقلة اقرار اي قانون آخر لا يلائمه، وخصوصاً ان المهلة بين انتهاء الانسحاب السوري وموعد بدء العملية الانتخابية لا تتعدى شهراً واحداً. اضف الى ذلك ان جنبلاط والحريري فضلا تقديم الضمانات الى بري و"حزب الله"، سعياً الى امتصاص المخاوف التي زرعها الانسحاب السوري في قسم من الطائفة الشيعية، واستباقاً للتداعيات التي قد يثيرها طرح مسألة اسلحة "حزب الله" بعد الانتخابات.

غير ان القبول بقانون الالفين عجل بدوره الاصطفافات الجديدة داخل المعارضة. فقد نجحت الحملة الاعلامية التي اطلقتها شخصيات مسيحية كانت قبل حين في المعسكر السوري في تغذية تململ الرأي العام تجاه ما عدّ استئثاراً جنبلاطياً وحريرياً في انتقاء حلفائهم من المسيحيين. وهذا بدوره عبد الطريق امام خروج ميشال عون، العائد من منفاه الباريسي، عن توافق المعارضة، ومهّد لتحالفات غير متوقعة بينه وبين رموز من عهد الوصاية السورية، من بينهم طلال ارسلان، غريم جنبلاط في الطائفة الدرزية، وميشال المر، الذي احتكر وابنه الياس (صهر لحود) وزارة الداخلية اكثر من احد عشر عاماً، وسليمان فرنجية، صديق آل الاسد الذي كان وزيراً للداخلية لحظة اغتيال الحريري واتهم بتمويه التحقيق.

هذه التحالفات الجديدة، اذا ثبتت، لن تكون على المحك سوى في الدورتين الثالثة والرابعة من الانتخابات، في كل من جبل لبنان والشمال. لكن الدورتين الأولتين قد تؤثران ايضاً عليها وعلى المنافسة بين اطراف المعارضة، والتي باتت العنوان الابرز لهذه الانتخابات. ذلك ان النتائج المرتقبة لهاتين الدورتين قد تعزز الشعور الشعبي بأن الانتخابات معلبة سلفاً، مما قد يزيد حجة عون قوةً في رفضه ما اعتبره محاولة لتحجيمه. والحال ان الانتخابات محسومة في كل من بيروت والجنوب قبل ان تبدأ.

في انتخابات بيروت التي تجري اليوم، لا يبدو ان ثمة احداً قادر على الوقوف في وجه لائحة الوفاء للرئيس المغدور رفيق الحريري بقيادة نجله سعد. والحال ان 9 من المرشحين من اصل 19 قد فازوا بالتزكية، مما سيخفف حتماً من زخم المشاركة اليوم، فيما لا يواجه المتبقون منافسة تذكر سوى في دائرة بيروت الثانية حيث لا بد من مشاركة كثيفة لتأمين فوز النائب الحريري عاطف مجدلاني (عن المقعد الارثوذكسي)، في وجه معارض الحريري الدائم نجاح واكيم، وان لم يكن احد يشك في ان مثل هذه المشاركة ستتوافر. وفي الدائرة نفسها مواجهة اخرى ذات دلالة، بين مرشح "حزب الله" عن المقعد الشيعي، المندرج ضمن لائحة الحريري، وابراهيم شمس الدين، نجل الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين الذي كان يرأس المجلس الاسلامي الشيعي. والدلالة في هذه المعركة سوف تكون في وجود او عدم وجود اقتراع سني معترض على "حزب الله"، على خلفية الصراع المذهبي الخافت بين السنة والشيعة الذي زكته مواقف الحزب المؤدية للحكم السوري، ولا سيما بعد اغتيال الحريري. وفي ماعدا ذلك، تكاد معركة الانتخابات في بيروت تقتصر على نسبة المشاركة، مع العلم ان تحميل هذه النسبة معنى سياسيا سلبيا يتطلب الكثير من سوء النية.

اما في الجنوب، فالتقطيع الانتخابي يحتّم اكتساح اللائحة المشتركة لحركة "امل" و"حزب الله"، مما سيمكنهما من الاحتفاظ بكتلتين برلمانيتين كبيرتين. وتكمن المشكلة في ان النتيجة المرتقبة من دورة الجنوب سوف تؤسس لاعادة انتخاب نبيه بري رئيساً للمجلس للمرة الرابعة، وهو الامر الذي يعده معظم اللبنانيين عائقاً امام اي عملية اصلاحية جدية نظراً للحصة الكبيرة التي كانت له بين اكلة الجبنة. وبهذا المعنى، فإن الثمن الذي دفعته المعارضة بقبولها قانون الالفين سوف يتضاعف بسبب شيوع شعور الاحباط الذي يثيره بقاء بري في قلب المعادلة السياسية عند كل الذين شاركوا في "انتفاضة الاستقلال".

في اي حال، يعني غياب المنافسة الحقيقية في كل من بيروت والجنوب ان المعركة الانتخابية لن تقع فعلاً الا ابتداء من 12 حزيران. ورغم ان النتائج المعروفة سلفاً للدورتين الاولتين قد تؤثر في مجريات المعركة اللاحقة، الا ان معالم هذه المعركة لم تتضح كلياً بعد. فالتحالف المعلن او المضمر بين عون وحلفاء سوريا السابقين قد يبطل مفاعيل التعاطف الشعبي الذي ولده خطابه المناوئ للطبقة السياسية. كما ان كثرة المرشحين الذي ينضوون تحت لواء المعارضة، وسواء عن حق او عن باطل، قد يؤدي الى تفعيل العوامل المحلية والعائلية في عدد من الدوائر، مما لا يسمح باستباق النتائج بدقة.

بيد انه يمكن الجزم في المقابل ان المشهد البرلماني المقبل سوف يحمل، رغم ما قيل ويقال، طابعاً تغييراً، وان ظل التغيير محدوداً. واذا كان بقاء بعض رموز العهد السوري، سواء من خلال التقطيع الانتخابي كما هي حال بري، او بسبب تحالفات ميشال عون، لا يساهم في تتويج "انتفاضة الاستقلال" تتويجاً كاملاً، الا انه يصب في خانة التعددية السياسية. ففي النهاية، لن يصمد من هذه الشخصيات المرتبطة بالوصاية السورية الا من كان يملك شيئاً من الشرعية الشعبية. اما الآخرون، الذين كانوا يملأون الشاشات من دون ان تكون لهم قاعدة تذكر، فجلهم فضل العزوف عن الترشيح.

وفي الجهة المقابلة، سوف تكون قوى المعارضة، رغم تشتتها، حاضرة بقوة، مما يسمح منذ الآن باستشراف الفصل الجديد الذي سيلي مباشرة الانتخابات النيابية، وهو فصل اسقاط اميل لحود، رئيس الجمهورية الممددة ولايته. لكن حضور الوجوه الجديدة من معارضي الامس، رغم بقاء الكثير من الوجوه التقليدية، سوف يحسّن ايضاً من فرص التواصل بين الندوة البرلمانية والقطاعات التحديثية في المجتمع اللبناني التي كان اسهامها كبيراً في انتفاضة الاستقلال، وان لم تترجمه انتخابياً. وفي مثل هذا التواصل الفرصة الوحيدة لاستكمال الاستقلال الجديد باستنباط ديمقراطية جديدة، فيكون لبنان 14 آذار لبناناً جديداً.

عودة لصفحة سمير قصير

عودة لصفحة السلطة الرابعة 

//-->