أبعد من المتصرفية

النهار 17/ 12/ 2004

سمير قصير

كنا اعتقدنا ان مسألة الاقضية الاربعة انتهت إن لم يكن لحظة الاستقلال فعلى الاقل مع تجديد الميثاق الوطني في الطائف. ولكن ها هي تستحضر فجأة بعد نحو اربعة عشر عاماً من السلم الاهلي.

المدخل الى هذه العودة هو مقولة انقسام اللبنانيين حول الموقف من سوريا، التي تبنّاها اهل السلطة في محاولتهم تبرير استمرار هيمنة الحكم البعثي في وجه القرار 1559. وزاد شيوع هذه المقولة في خضم التحضير لـ"تظاهرة الوفاء لسوريا". لكن ثبات وليد جنبلاط في موقفه وتحالفه مع ما يسمى "المعارضة المسيحية" لم يعد يتيح الاكتفاء بتوصيف طائفي للانقسام اللبناني المفترض. التوصيف الجديد الذي بدأت تظهر معالمه في سياق هذه التظاهرة الفاشلة، جاءت اكمل صياغة له بقلم الزميل طلال سلمان، صاحب "السفير"، حين تكلّم على "السور المنيع للمتصرفية" في كتابه المفتوح الى وليد جنبلاط، وهو ما تكفل جنبلاط بالرد عليه في رسالة نشرتها "السفير" امس وفي مقابلته مع "الحياة".

السجال مرشّح للاستمرار في الايام المقبلة، على ما وعدت "السفير" امس، ولا حاجة الى الدخول فيه، ولا سيما ان وليد جنبلاط لا يحتاج الى من يدافع عنه. وما يعنينا منه هو فقط استحضار مسألة "المتصرفية" و"الاقضية الاربعة". نترك جانباً دعابة المؤرخ الذي يستغرب ان يُتهَم سليل آل جنبلاط بالانحياز الى المتصرفية (تراجع في هذا الخصوص لهجة كمال جنبلاط الثأرية حيال المتصرفية في كتابه الاخير "من اجل لبنان")، فالموضوع ليس موقف جنبلاط في ذاته. كذلك نترك جانباً رصد الصحافي لعدد من الشخصيات الآتية من "الاطراف" في صفوف المعارضة، فالموضوع ليس عددياً. الموضوع هو... غياب الموضوع، فلا سياق يبرر اليوم استخدام تعابير "المتصرفية" و"الاقضية الاربعة" و"الاطراف".

للتذكير، ان هذه الاقضية الاربعة هي التي ألحقت مع مدن الساحل التابعة لولاية بيروت  بمتصرفية جبل لبنان من اجل تشكيل لبنان الكبير عام 1920. وكان ان نتج من هذا الالحاق، القسري الى حد بعيد، شقاق مديد أخذ شكل صراع بين "الانفصاليين" و"الاتصاليين"، كما استتبعه تفاوت اقتصادي واجتماعي كبير بين ما اعتُبر المركز، اي بيروت والجبل، وما سُمي الاطراف.

بيد ان الخلاف حول الانفصال والاتصال انحسر مع اعتراف "الكتلة الوطنية" قي سوريا بحدود لبنان الكبير، وذلك في المعاهدة السورية – الفرنسية عام 1936، ثم انتهى عملياً مع الميثاق الوطني والاستقلال فالقطيعة الاقتصادية بين البلدين عام 1950. واذا كان شيء من هذا الصدع قد بقي في وعي الجماعات اللبنانية المختلفة حتى السبعينات من القرن العشرين، فقد بدا جلياً ان تجربة الحرب الطويلة بعد 1975 قد ازالته فاعادت تأسيس ولاء جديد للكيان اللبناني، وهذا ما ترجمه اتفاق الطائف. اما التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الذي تصدى له عهد الرئيس فؤاد شهاب واحرز بعض النجاح في التخفيف منه، فقد اختلفت معطياته اثناء الحرب نفسها حين تسلمت حركة "امل" المولودة من رحم "حركة المحرومين"، ملف الانماء في الجنوب (ومجلسه)، وهي مستمرة الى الآن في تسييره مثلما تشاء. وعليه، فان حتى المقاربة الاقتصادية – الاجتماعية لم تعد تبرر الفصل بين "الاطراف" و"المركز"، ففي إزاء الفقر المدقع في عكار وعدد من قرى البقاع، تفيد الارقام التي صرفت على الجنوب (عن حق وإن في شكل خاطئ) انه لم يعد ممكناً شمل هذه المنطقة ضمن المناطق المحرومة من دعم الدولة واهتمامها.

وفي اي حال، فان الطاقم الذي ادار نظام ما بعد الطائف ضم عدداً كبيراً، ولا يزال، من الشخصيات الآتية من "الاطراف" مثلما ضم آخرين من جبل لبنان وبيروت. ولا يخفف من مسؤولية هذا الطاقم، بكل مكوناته، انه استقال من المسؤولية السياسية واحجم عن ممارسة صلاحياته باستظلاله هيمنة الحكم البعثي في دمشق.

ولا مجال اذاً للحديث جدياً عن انشطار لبناني مستمر بين "متصرفية" و"اطراف". فكيف يمكن القبول بمقولة انقسام اللبنانيين بازاء سوريا على اساس انشطار عتيق لم يعد موجوداً؟ هذا اذا كان الانقسام الذي يكثر اهل السلطة الحديث عنه، انقساماً حول سوريا. فهنا ايضاً، ثمة تلاعب بالمفاهيم.

قد يكون بعض المعارضة قادماً من خلفية تعتبر سوريا حكماً على تضاد مع لبنان، وقد يكون صحيحاً ايضاً ان استحضار ذاكرة 1920، هذا التاريخ الذي ظل خلافياً بين اللبنانيين لعقود، يفتقر الى الحكمة كونه لا يقيم اعتباراً لذاكرة الآخر الشريك في الوطن. يبقى ان ما يجمع المعارضة ليس العداء لسوريا، بل رفض نظام الوصاية الذي تديره المخابرات السورية وتحرسه. وهنا المسألة اللبنانية اليوم، وهي ابعد ما تكون عن المتصرفية والاسقاطات التاريخية الاخرى.

ثم ان هذا المطلب لا يجمع فقط قوى المعارضة في لبنان، بل يجمعها الى بعض القوى المعارضة في سوريا. فهل سيلجأ انصار الحكم البعثي غداً الى إلحاق رياض الترك او جماعة "الاخوان المسلمين" السورية بالمتصرفية؟

لا تضحكوا، فقد يفعلون.

عودة لصفحة سمير قصير

عودة لصفحة السلطة الرابعة 

//-->