|
لا احد يريد ان يشتري سمكاً في البحر، الا اذا كان
يعشق الغطس حتى الغرق، وهذه ليست حال المواطنين
اللبنانيين الذين إن حلموا بشيء فبما ينتشلهم من
الماء العكرة وبراثن السابحين فيها. لكن ضرورة
المحافظة على الحذر الشديد لا تحول دون قراءة
المؤشرات، والمؤشرات التي يستطيع العقل استقراءها
تسمح بالقول ان مشروع التمديد لرئيس الجمهورية
الحالي (او التجديد له) ليس حياً في هذه اللحظة
الا في نفس "من لا يريد شيئاً لنفسه".
لا يعني ذلك ان كل خطر قد زال عن الاستحقاق
الرئاسي. اولاً لأن الحكم البعثي القائم في دمشق
والذي سلمته الطبقة السياسية المحلية ارادتها،
وتالياً قدرة التقرير، لا يعمل دائماً بحسب ما يُفترض
انه مصلحته. وقد ينزع، عن قصر نظر او انفعال، الى
تصرف عشوائي، فيعمد الى توجيه صفعة الى كل المجتمع
السياسي اللبناني، بدءاً بأقرب المقربين منه،
واحتقار الرسائل الديبلوماسية الدولية مثلما يحتقر
الرأي العام اللبناني، فضلاً عن مصلحة لبنان ، وفي
نهاية المطاف مصلحة سوريا نفسها. وثانياً لأن
تسليم الساسة اللبنانيين مصيرهم الى الحكم البعثي
الجاهل هو نفسه ما يكون مصيره بعد اشهر، يفوّت على
لبنان فرصة الافادة من الانتخابات الرئاسية
لمباشرة الخروج من الازمة التي لازمت تلازم
المسارين والنظامين. والحال ان الطريقة التي يفهم
بها اركان "حزب التلازم" في لبنان مقولة اللبننة
التي خرج بها الرئيس السوري بشار الاسد، تهدد
بتحويل الانتخابات فرصة ضائعة، بل بمفاقمة الازمة.
فاذا لم يتم اللجوء الى التمديد، جيء بصيغة "انتخابية"
تنطوي على مقدار مماثل من السوء.
وبالفعل، فإن هذا السيناريو هو الاكثر ترجيحاً هذه
الايام. فبعدما انصبت معظم الجهود على معركة
الدفاع عن الدستور ورفض التمديد، بدأ يسود انطباع
بأن اي مرشح يخرج اسمه من جيب الحكام السوريين
سيمثّل تحسناً. ولكن، حتى لو كان ذلك صحيحاً الى
حد بعيد بعد ما بلغته البلاد من تدهور، فانه
يستحيل تمنين النفس بهذا المقدار الضئيل من التحسن
الذي يبقى قطعا دون حد "اللبننة" المرجوة.
ولا يهم هنا ما الذي قصده الرئيس السوري بكلمة "لبننة".
المهم هو كيف نفيد من القبول السوري، ولو فقط
اللفظي والتجميلي، بمقتضى اللبننة من اجل اعطائها
المعنى الذي يفضي الى خروج لبنان من دائرة الازمة
السياسية والاقتصادية (والاخلاقية). فاللبننة تعني
اولاً استعادة لبنان ارادته الضائعة اليوم بين
عنجر ودمشق. وتعني ثانياً ان نهاية العهد العالي
يجب ان تفتح الباب لعهد جديد قادر على تجسيد
الارادة الضائعة واعادة توطين القرار السياسي
والاقتصادي في بيروت. وتعني ثالثا،ً وخصوصاً ان
الحكم اللبناني، رئيساً وحكومة، قادر على التحكم
بكل آليات القرار فلا يحتاج الى تحكيم من دمشق او
تدخل من عنجر. اصلاً، لن يعود لعنجر دور سياسي اذا
تمت اللبننة، فيما تستطيع دمشق ان تبحث اخيراً مع
بيروت عن سبلٍ لتفعيل العلاقة بينهما بعد تنقيتها.
بيد ان اللبننة تحتاج الى من يحملها ويتحمل
تبعاتها. ليس من الضروري ان يكون مرشحاً ولا حتى
ان يكون مارونياً قابلاً للترشح، بل يكفي ان يكون
رجل دولة يدرك انه قد آن الاوان لأن يتوقف التسوّل
على طريق دمشق، وان تُخاطب سوريا من دون عقد نقص،
فيقول لها من دون مواربة ان هيمنتها على لبنان الى
نهاية، ويضيف انه حتى اذا جاءت برئيس يواليها من
دون سؤال، بل حتى اذا حافظت على الرئيس الحالي،
فهذا لا يجديها نفعاً في ما هي مقْدمة عليه. ويختم
بأن تنظيم النهاية منذ الآن وحده الكفيل بفتح صفحة
تكون فيها خاصرتها الشرقية مؤمّنة من دون اكراه.
اكثر من البرامج، مهما تكن مفصلة، ان ما يطلق آلية
اللبننة هو اذاً فهمٌ متكامل لمعنى الاستحقاق
الرئاسي، بما هو اللبنة الاولى في مسيرة الخروج من
الازمة. تليها خطوات لا تقل اهمية عنه، من تشكيل
حكومة فاعلة ونزيهة الى اقرار قانون انتخابي عادل،
وصولاً الى انتخابات طبيعية يصدر عنها في ربيع
2005 مجلس نواب، لا يرقى اليه الشك، فيكون قادراً
على اتمام المصالحة الوطنية الديموقراطية.
قد يقول قائل: ان مثل هذا الكلام يخيف الحكم
السوري، فيستثير منه ردة فعل اقسى، سواء في اتجاه
اختيار رئيس مطواع او بالعودة الى سلاح التمديد.
ربما، لكن الكلام على لبننة حقيقية من شأنه ايضاَ،
وهذا الاهم، ان يحول دون ان ننتشي اذا تخلصنا من
حال التعدي الدائم على الجمهورية، وعنوانه
التمديد، فلا نشعر بالخطر الذي يمثله استمرار نهج
التعدي، ،إن في ثياب جديدة.
عودة لصفحة سمير قصير
عودة لصفحة السلطة الرابعة |