مواقف بيروتيِّة في العهد العُثماني
عُرف عن الحاج حسين بيهم (1833-1881م)
رئيس الجمعيّة العلميّة السوريّة، الجرأة والقدرة على مواجهة السلبيات في
العهد العُثماني، رغم تأييده للدولة العُثمانيّة. فمن المعروف أن الحاج
حسين كان عضواً في (مجلس قومسيون فوق العادة في بيروت) التي تقع عليه
مسؤولية جمع العساكر من أبناء بيروت للسفر للجهاديّة خارج بيروت.
وكان خورشيد باشا متصرف بيروت في منتصف القرن التاسع عشر، قد أوكل لأحد
الضباط الأتراك الحديثي العهد في المتصرفيّة، أن يجمع العساكر من
المتصرفيّة. فطلب هذا الضابط من (مجلس القومسيون) جميع الشبان البيارتة
الذين هم دون السن، خلافاً لما حدّدته الفرمانات السلطانيِّة. فما كان من
الحاج حسين بيهم إلا أن إعترض موضحاً بأن بيروت لا تقدم جميع الذين هم تحت
السن القانونيّة. وإنما تقدم عادة العدد الذي يمكن أن تقدمه، لأنه لا يمكن
للأفراد الذين يعيلون أرامل وأيتاماً وأطفالاً أن يذهبوا إلى أقاصي
الولايات العُثمانيّة بعيدين كل البعد، ومن الممكن ألا يعودوا مطلقاً، وفي
هذه الحال من يتولى ويعيل أمر هذه العائلات ؟.
فأوضح الضابط العُثماني: أنا لا أعرف بهذه الأمور، إنما أريد أن أنفّذ أمر
الدولة.
فما كان من الحاج حسين بيهم إلا أن إعترض مجدداّ، في حين سكت بقية أعضاء
القومسيون الخمسة، الأمر الذي دعا الضابط للإستقواء مستفرداً بالحاج حسين.
وكرر الضابط (بو دولت أمريدر) أي (هذا أمر الدولة). مما أغضب الحاج حسين،
فطوى سجل نفوس وقيد العسكر، وقال لزملائه أعضاء اللجنة : (تفضلوا لنفل على
بيوتنا، وخلوا الدولة تجي تلملو العسكر). فاستشاط الضابط غضباً من تصلب
أبناء بيروت وتمسكهم بمصالح مدينتهم وعائلاتهم وشبانهم.
ولما وصل الخبر إلى المتصرف خورشيد باشا، وعوضاً من أن يغضب من الحاج حسين
بيهم وأعضاء لجنة القومسين، فإذا به يرسل مساعده ليعتذر له على ما جرى،
وعلى ما أبداه الضابط العُثماني من تصرف غير لائق، غير أن الحاج حسين أصّر
بأنه لا يقبل الإعتذار، وأن القومسيون لا يمكن أن يجتمع بعد الآن، إلا إذا
نقل الضابط من مركز عمله في بيروت إلى منطقة أخرى.
وبالفعل فقد استجاب المتصرف لطلب الحاج حسين بيهم ولمطلب أهل بيروت، فنقل
الضابط في اليوم التالي. ونظراً لمؤهلات الحاج حسين بيهم فقد إنتخبه
البيارتة عام 1878م ليمثلهم في مجلس المبعوثان العُثماني أي (مجلس النواب)،
بالإضافة إلى أنه كان عضواً في مجلس أيالة صيدا الكبير، وفي محكمة إستئناف
التجارة وفي المجلس البلدي وفي مجلس إدارة بيروت.
هذا وقد عُرف عن البيروتيين منذ بداية العهود الإسلاميّة والعربيّة، الصبر
وطول الأناة والتسامح والتضحيّة ورفض المظالم والدفاع عن مدينتهم.
فقد تعرضت بيروت والبيارتة إلى الكثير من النكبات والهجمات سرعان ما تستعيد
المدينة نشاطها وإزدهارها.
ففي عام
1840م
اتفقت الدول الأوروبيّة مجتمعة: إنكلترا، النمسا، إيطاليا، روسيا وسواها،
على إجتياح مدينة بيروت وقصفها بالمدافع لإذلالها ولإخراج الجيش المصري
منها الذي استطاع أن يوجد مصر وبلاد الشام لأول مرة في التاريخ الحديث
بالإتفاق مع أبناء الشام.
وبالفعل فقد بدأت الأساطيل الإنكليزيّة والنمساويّة بقصف مدينة بيروت فدمرت
المنازل وأحرقت المحال والحوانيت التجاريّة وقتلت الأبرياء من المدنيين
العُزّل. فما كان من الجيوش المصريّة/الشاميّة إلا أن واجهت هذا القصف بقصف
مضاد، ووقف البيارتة للدفاع عن مدينتهم قرب الشواطئ ... ويُستخلص من جواب
القائد سليمان باشا رئيس أركان الجيش المصري إلى قادة الأساطيل الإنكليزيّة
والنمساويّة في
11
أيلول سنة
1840م،
واقع بيروت وواقع البيارتة ومواقفهم مما يجري على أرضهم، ومما قاله سليمان
باشا:
(... فقد إستطعت البارحة أن أعرف مدى الضرر الذي تستطيعان إيقاعه بعائلات
وديعة وغريبة عن العراك القائم. لقد إستطعتم قتل خمسة من جنودي، ولكن بعد
أن خربتم بيوتاً، وآيأستم عيالاً، وقتلتم نساء وطفلاً رضيعاً مع والدته،
وشيخاً وفلاحين مساكين ... إن نار بوارجكم بدلاً من أن تخمد، زادت شدة
وفتكاً بالفلاحين المساكين أكثر منها بالجنود. يظهر أنكما عازمان على
إحتلال المدينة في حين أن هذا الإحتلال لن يؤثر في الموضوع. وهب أنني فشلت
في هذه الحرب فلن تستوليا على بيروت إلا بعد أن تصبح هذه المدينة رماداً.
إن بيروت ما تزال مأهولة... ليس بإستطاعتي تسليم المدينة وقد أمرت
بحمايتها. سأحميها مهما جرى ... فإن هاجمتم بيروت وإذا دُفن سكانها تحت
أنقاضها، فلن أكون مسؤولاً عن الدم المرهق ...).
ومن الأهمية بمكان القول، بأن تاريخ بيروت حافل بالمواقف على صعيد الجماعات
والأفراد، ولا يمكن حصرها في هذه الأوراق البيروتيّة، ولكن نذكر منها على
سبيل المثال لا الحصر، فقد كان الشيخ العلامة عبد الرحمن بن الشيخ محَمّد
الحوت (1846-1916م)
حجة عصره، عاِلماً عاملاً. وبالرغم من أنه كان نقيباً للأشراف في بيروت
ورئيساً لجمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت، غير أنه كان
متواضعاً جريئاً. ففي إبان الحرب العالميّة الأولى أراد جمال باشا زيارته
في منزله ولما وفد عليه رآه يعيش في منزل متواضع يكاد يكون خالياً من
الأثاث. ورأى جمال باشا بأن الشيخ عبد الرحمن الحوت يجلس على حصير وطراحة
ويتلو آيات من القرآن الكريم، فلما دخل جمال باشا، فإن الشيخ الحوت لم يقف
له ولم ينقطع عن تلاوة القرآن الكريم إلا بعد إنتهاء التلاوة. وبعد أن
حادثه جمال باشا عرض عليه فرش داره بطريقة لائقة وفاخرة، غير أن الشيخ
الحوت رفض ذلك وقال: (عوضاً من أن تفرش داري يا باشا وفروا لقمة العيش
للفقراء وأنقذوا الناس من الموت جوعاً، فهذا عند الله أعظم من كل شيء).
والمعروف عن الشيخ عبد الرحمن الحوت أنه كان شديد التعلق ببناء المساجد
وترميمها، منها:
·
مسجد القنطاري
·
مسجد زقاق البلاط
·
مسجد الحرج
·
مسجد قريطم
·
مسجد المجيديّة
كما هو الذي سعى ببناء سور لجبّانة الباشورة.
ومن مواقفه المعروفة أنه رغم دخله المتواضع كان حريصاً على المشاركة مادياً
في بناء المساجد. وقد شاهدته البيارتة مراراً ينزل من منزله في باطن بيروت
مشياً على الأقدام، ومن المدينة إلى منطقة الحرج، حتى يوفر بعض المال
للمشاركة في بناء مسجد الحرج ومسجد قريطم.
وحرصاً على مقامه فقد خصّص أثرياء بيروت مبلغاً من المال لتنقلاته في
المدينة، غير أن الأثرياء والبيارتة استمروا يشاهدونه يتنقل مشياً على
الأقدام، وعندما سئل (يا شيخنا لماذا لا تركب العربة لتنقلك وتنفق من
المبلغ الذي خصّص لك لهذه الغاية ؟). فرد الشيخ عبد الرحمن الحوت: (لقد
آليت على نفسي ألا أضع هذه المبالغ تحت تصرفي لأنفقها في تنقلاتي، فقمت
بضّمها إلى مبالغ بناء الجامع، وهذا ما يريح ضميري ويكسب رضوان ربي).
هذه نماذج قليلة من المواقف البيروتيّة سواء على الصعيد الخاص أم على
الصعيد العام، إنما في حقيقتها تعبّر عن تاريخ بيروت عن سجلها الحافل
بالمواقف الإنسانيّة والإجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة.

|